مواسم البوح

المبدع بين التفاؤل والتشاؤم

همسة

يغلب على المبدعين نظرة التشاؤم سواء كانوا شعراء أو كتاب قصّة أو رواية، وحتّى المسرحيين منهم، أغلبهم يبدو في كتابته ساخطا متبرّما ناقما على الحياة والأحياء، لا يعجبه العجب كما يقال، لاسيما الشعراء منهم، ولسان حالهم ينشد:

وجناح الحياة منّي مهيض * * وجوادي في حلبة السبق كابِ

ولعلّ السّرّ وراء هذا التشاؤم العام؛ أنّ المبدع يطمح إلى عالم مثالي يسعى إلى تحقيق أحلامه فيه وطموحاته العِراض، ويرى الواقع يعاكسه ويَصُفّ العوائق – متتالية – أمامه، فينفث ما في صدره من ألم وما في قلبه من أسى وقنوط. ولذلك نظر المتنبي نظرة في ما حوله وفي مَن حوله فسخط عليهم، وقال بحرقة ولوعة:

أنا في أمّة تداركها الله * * غريب كصالح في ثمود

وهذه الغربة لها شقّان، أحدهما يجعل الكاتب والمبدع بعاني ويتألم، ولا يملك إلا أن يرفع صوته غاضبا منذرا، فيظهر الشقّ الثاني لهذه الغربة، إذ يقدّم المبدع أدبا شعرا أو نثرا يقرأه الناس فيستمتعون به ويستفيدون، ويبقى المبدع مبدعا والناس ناسا، والزمان كما هو لا يتغيّر ولا يتبدّل إلا بمقدار ما تمرّ الأشهر والأعوام، ويدور فلك الكون دورته الكبرى.. !

ولكن في المقابل هناك مبدعون متفائلون يظهر على محيّا كتاباتهم البشر، وفي سنا أقلاهم البهجة والحبور، ويصنعون سعادتهم من نظرة إلى أكمام زهرة تتفتّح، أو من سماع شدو طائر بالنغم يصدح، ويقول قائلهم:

دع المقادير تجري في أعنتها * * ولا تنام إلا خالي البالِ

ويكون الإبداع بالتفاؤل كما يكون بالتشاؤم، ولكن قالوا أنّه أكثر من جهة المعاناة والزلزلة، أكثر منه من جهة البسطة في الحياة وراحة البال، وأنّ الأتون الذي يصهر الحديد، ليخرج لنا الصلب والألماس أكثر فائدة وعطاء من النسمات المنعشة والهواء العليل، ولعلّها جدليّة يصعب ترجيح أحد طرفيها، وإنّما الفائدة أنّ المبدع إذا انفعل، إن فرحا أو حزنا كان منه العطاء وجاءت الثمرة التي تترك أثرها في حياته وحياة النّاس، ولسان حاله ينشد:

سأعيش رغم الدّاء والأعداء * * كالنسر فوق القمّة الشماء.

عبد الله لالي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق