العمود

المتشبثون وجب الكلام

تحضرنا اليوم قصة أو ربما يمكن تصنيفها على أنها طرفة، حيث وفي أحد الأعراس بمنطقة ما في الأوراس ومثلما هو معروف فإحياء حفل زفاف عند “الشاوية” لا يتم إلا بفرقة “رحابة” بحضور “المباردية”، قلنا في عرس ما كان الجميع يسعى لأن يحظى بكرسي في الصفوف الأولى القريبة من “الطرحة”، والذي حدث ولسوء الحظ هو أن شخصا وعندما أراد أن يتفنن “بالمكحلة” أخطأ التقدير فأصاب واحدا من عناصر فرقة الرحابة بحروق في وجهه، فاندفع كل من في المكان إليه للاطمئنان عليه وإسعافه إلا شخصا واحدا، فقد بقي متشبثا بالكرسي بكل برودة أعصاب، وعندما سأله أحد الحضور عن سبب عدم اكتراثه لما حدث مع “الشخص المصاب” أجابه بأنه خائف من أن يستولي أحد ما على كرسيه إذا ما وقف ليطمئن على “المصاب”، الجواب الذي استفز السائل ودفعه لأن يصرخ في وجهه قائلا “كانش ما بقى عرس السيد رح يموت وانت خايف على الكرسي”.

إذا كانت القصة تعبر عن حادثة وواقع طريف فهناك ما يعبر في بلادنا عن واقع “مرير” وواقع مؤسف ومؤلم، ذلك لأن مختلف المؤسسات في الدولة ومختلف القطاعات قد باتت تسير بنفس الذهنية التي تعامل بها “صاحب الكرسي” في العرس مع حادثة إصابة شخص بحروق، معنى ذلك أن الكثير إن لم تكن الأغلبية من المسؤولين في البلاد قد باتوا يفكرون بمجرد أن يتقلدوا منصبا ما في كيفية الحفاظ على الكرسي لا الحفاظ على المؤسسة أو القطاع المكلفين بإدارته وتسييره، ومشكلتنا في الجزائر هي أن أغلبية المسؤولين لا يؤدون مهمتهم كقادة يجب عليهم الوقوف والسهر على استمرارية المؤسسة أو القطاع والسهر على النهوض بها بل إنهم يؤدون مهمتهم “كجالسين” يحرصون على ألا يضيع من تحتهم الكرسي، يتضح ذلك من خلال عديد المواقف المتكررة، فمدير المستشفى مثلا أو مدير الصحة في ولاية ما لا يقوم بما يجب عليه القيام به من أجل أن يؤدي مهمته كمسؤول مؤتمن على المؤسسة أو المديرية أو قطاع ما، لكنه يفعل المستحيل وفي ظرف وجيز بل ويشغل “عقله فوق طاقته” لتدارك النقائص ويوجد الحلول في أقل وقت ممكن عندما يتعلق الأمر بزيارة مسؤول أعلى منه رتبة، وهذا ما يثبت أن العمل الجبار الذي يقوم به أغلبية المسؤولين هو عمل للوقاية من قرار “إنهاء المهام” لا عملا لمعالجة المشاكل التي تتخبط فيها المؤسسات والقطاعات المختلفة.

كنا قد تطرقنا سابقا إلى ممارسات بعض المسؤولين وقد استشهدنا في ذلك بحملات التنظيف وطلاء الجدران وغير ذلك من النشاطات التي تدخل ضمن الاستعدادات تحسبا لزيارة وال أو صاحب معالي وقد قلنا بأننا بحاجة لنفس الحماس والنشاط الذي يسبق أية زيارة في الأيام العادية طالما أن المسؤول قد كلف بضمان تقديم نفس الخدمات للمواطن لا للوالي وأصحاب المعالي فحسب، لهذا فنحن نكرر ونقول بأنه لو تعلم المسؤول الجزائري أن يعمل طيلة الفترة التي يقضيها على رأس مهمته خوفا من الله وخدمة للمواطن كعمله خوفا من المسؤول الأعلى منه مكانة ورتبة وخدمة للشيتة والتملق لاستطعنا أن ننهض ببلادنا في ظرف وجيز جدا، أما وحرص المسؤول على “بقاء الكرسي تحته” أكبر من حرصه على آداء مهمته بشرف ونزاهة فذلك ما يدفعنا لأن نقول بأن طريق التغيير لا زال أمامنا طويلا، لأنه عندما يصبح الكرسي أسمى ما في “البلاد” فإن كل شيء فيها يصبح رخيصا حتى ضمير المسؤول وشرفه المهني.

حمزه لعريبي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى تعطيل مانع الإعلانات.