روبورتاجات

المجاهد “بن ساسي الصالح” ذاكرة حية تروي أحداثا من قلب الثورة الجزائرية المظفرة

كثير من الرجال الذين جاهدوا في سبيل تحرير الجزائر، لم تنصفهم الأقلام ولم يذاع صيت بطولاتهم وأعمالهم الشجاعة التي ابتغوا بها تحرير الوطن من براثن استعمار مدمر سعى إلى خراب البلاد وقتل شعبها وطمس هويتها، هؤلاء الذين ولدوا من رحم المعاناة تكبدوا ويلات الحرب وتجرعوا مرارتها في سن فتي مثل المجاهد الصنديد بن ساسي الصالح المدعو “بحتار” بطل مقالنا اليوم، ونحن نحتفل بعيد الشهيد، شهداؤنا الأبطال الذي صنعوا تاريخ الجزائر، جزائر العزة والكرامة.

كانت ليلة مقمرة عندما أطلق صرخته الأولى عام 1945، عام عرف بعام الشر نظرا للظروف الاقتصادية التي مرت بها منطقة الأوراس وعلى رأسها ولاية باتنة بسبب الجفاف الذي أثر بشكل كبير على مردودية الحقول التي كانت المورد الاقتصادي الوحيد للقاطنة آنذاك، في تلك الفترة تحديدا ولد المجاهد بن ساسي الصالح المدعو “بحتار”، فكان بالنسبة لوالديه شعاع أمل ملأ البيت زهوا وفرحا رغم الظروف المعيشية القاسية بين الجوع والظلم واستبداد المحتل، غير أن الفرحة لم تكتمل عندما رحل والد المجاهد عن الدنيا تاركا ابنه قطعة لحم صغيرة لا حول لها ولا قوة.

تربى يتيما في حضن أمه وزوجها “فرفار” الذي لم يبخل باحتضان الطفل ورعايته في جو أسري دافئ في بيت مصنوع من الحجر والديس، تتخلله رائحة الأبقار والماشية، وتخترق صمته أصوات صهيل الخيول الأصيلة.

كان “بحتار” أبيض البشرة، شعره كستنائي حريري ويمتلك جمالا ربانيا ملفتا. وتحكي جدته فتقول بأنها كانت تحمله إلى بيت جده “الشلعلع” لرؤيته ورؤية أعمامه وعماته، فنمى على حب العائلة الكبيرة، وأراد له جده “الشلعلع” أن يدرس ويتعلم فكان يرسله للكتّاب لكن الطفل كان متمردا يهوى رعي الغنم وممارسة الأعمال الريفية في زمن الاستدمار الغاشم.

استدمار شهد في عهده الغارات الجوية وتعود على صوت الرشاش والمدفع وعلى صور الظلم والاعتداء حيثما حلت كتائب المحتلين الذين كانوا لا يتوانون عن اقتحام البيوت ونهبها والاعتداء على قاطنيها، وأكثر ما كان يؤلمه هو قيام العساكر الفرنسيين بسكب زاد السكان البسطاء على الأرض ومزج الملح بالسكر، وسرقة الدجاج وكل ما أتيح لهم أن يسرقوه، فنمى في قلب الطفل الصغير كره شديد تجاه العدو المحتل وأبى إلا أن يكون مجاهدا يدافع عن عرضه ووطنه عندما يكبر.

وبالفعل ما إن وصل إلى سن معينة حتى تفطن لذكائه وفطنته أحد المجاهدين الذين كانوا ينزلون ببيت جده عمار المدعو (الشلعلع) فعهد إليه بمهمة رسمية كانت الأولى وعمره لا يتجاوز الـ15 سنة.

مهمته بدأت بإيصال الأكل للمجاهدين، حيث كانت أمه حليمة المرأة القوية البنيّة، ذات الوجه الجميل الموسوم بالوشم تحضر الأكل الساخن وترسله إلى دكان المدعو “محنّد” بالمكان المسمى “رافامبلو” وسط ضوضاء العساكر ولأنه طفل صغير لم يكن يكترث لأمره أحد كما لم يكن يثير الشكوك من حوله ولذلك وجد سهولة نوعا ما في إيصال المؤونة بأمر من والدته صاعدا الجبال دون خوف، الجبال الشامخات حيث كان يقبع الرجال الأشاوس، وكثرت مهام “بحتار” مع مرور الوقت فكان لا يتوانى عن تأديتها بدقة واحترافية الكبار، حيث كان يوصل الأكل والمؤونة ويعود حاملا ملابس المصابين من المجاهدين والثوار لتقوم أمه بغسلها وإعادتها إليهم مرة أخرى.

كما كان المجاهد الصغير رسولا لجده الشلعلع (عمار) من أجل تحضير العشاء للكتيبة السابعة التي كانت تنضوي تحت لواء ال”سي العمري” و”محند الصالح”، ومتى كان الجمع كبيرا كان لجد “بحتار” شرف تنظيم الوليمة مع الرجل المدعو “بحوح” على شرف أبطال الجزائر.

كما تروي ذاكرة “بحتار” الذي خص “الأوراس نيوز” بهذا الحوار الشيق بمناسبة الاحتفاء بيوم الشهيد، بأنه كان يقوم من فترة إلى أخرى بجمع خبزتين (الكسرة) من كل بيت من بيوت الدوار ويضعهم على ظهر البغل ويصعد بهم إلى جبل “تينزواغ” عند “سي عمار النوي”، ويقوم بإيصال البريد من حي “الرافامبلو” إلى “تينزواغ”، وحدث ذات مرة أن أمر المجاهد الحاج لخضر زوج أم “بحتار” “فرفار” بتوصيل رسالة إلى المسمى “محند أوعباس” الذي يقع دكانه في نهج “عمار عشي” بباتنة، وهو الرجل الذي كان يمّول المجاهدين بالألبسة والأحذية، غير أن السيد “فرفار” لم يتمكن من ذلك، حيث قال لـ”بحتار” بأن بردعة بغله لم تعد صالحة لإخفاء الأشياء بعد أن قام أحد العساكر بتمزيقها بالسكين كلية ليرد “بحتار” بعفوية طفولية بأنه سيتطوع للقيام بالمهمة بطريقة ذكية لن تثير الشكوك بإدخال الرسالة في قطعة جلد وإدخالها في قطعة خشب ويضع بها علامة مميزة ليستطيع التفريق لاحقا بين قطعة الخشب التي تحتوي على الرسالة وباقي القطع الأخرى، حيث تمت العملية بنجاح كبير.

مغامرات وعمليات كثيرة كان بطلها “بحتار” الذي كان رسولا بين المجاهدين والمتعاونين معهم من الأشخاص النزيهين الأوفياء لوطنهم وأكبر عملية قام بها “بحتار” هي نقل صناديق تحمل أسلحة للمجاهدين باتجاه حي كشيدة الذي كان مراقبا بحاجز أمني للعساكر الفرنسيين، غير أن العملية تكللت بالنجاح بسبب شجاعة “بحتار” وبطولته.

بحتار الذي كبر مناضلا هو اليوم شيخ سبعيني يحكي لأبنائه وأحفاده حكاية الوطن وتضحيات أبطاله الذين صنعوا مجد الجزائر بوقوفهم في وجه المستدمر الفرنسي، وتقديم أرواحهم فداء للوطن ليعيش أبناء الجزائر اليوم بعزة وكرامة.

إيمان. ج

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق