ثقافة

“المختار بن لخضر” …منارة علمية ونضال مستمر من أجل الإصلاح

يعتبر الشيخ المختار بلخضر (1906-1988) من أعلام جنوب ولاية سطيف وأحد أبرز علماء المنطقة وهذا فضلا عن نضاله خلال الثورة التحريرية، وحتى بعد الاستقلال واصل الشيخ مسيرة الإصلاح وطلب العلم.

ويقول الأستاذ عبد الله بسو أنه في الوقت الذي شرع فيه الاحتلال الفرنسي يتجاوز عاصمة الجزائر ليضم ما وراءها ويقضم سائر مناطق القطر، كانت عائلة الخطاب إحدى العائلات المشهورة بجنوب ولاية سطيف، تؤسس مسجدا لها في دوار (لخطاطبة) بذراع الوسط قرب قرية (بئر حدادة) عام 1832، وبعد مقاومات طويلة الأمد خضعت الأقاليم للقوة الغاشمة على مضض تنتظر اليد التي تنتشلها من وهدة الظلام، وفعلا فقد ولد لهذه العائلة أحد العلماء والأبطال بعد ست سنوات من مطلع القرن العشرين وهو الفقيه المجاهد المختار بن لخضر ابن عمر.

وحفظ الشيخ المختار القرأن الكريم بمسجد أجداده وانتقل إلى زاوية سيدي ساعد بدوار ملول غير بعيد عن قريته الأصلية فدرس العلوم الدينية في سن العشرين على يد شيخه (الهاشمي بلمولود اليعلاوي) أحد أشراف منطقة قنزات، ثم اقتطف المستعمر منه زهرة شبابه إذ أجبره على التجنيد العسكري مرتين فلما عاد إلى موطنه قام بتجديد وترميم مسجد أجداده قبيل انتهاء مائة عام على بنائه ثم لزم زاوية الحاج الحواس بلحسين بضواحي العلمة ثم رحل مع شيخه الهاشمي إلى قنزات ومكث عنده ست سنوات حتى نال الإجازة العلمية من عنده لما استكمل لديه دراسة علوم الفقه والحديث، وعاد الشيخ المختار إلى مسقط رأسه ليقوم بمهمة التعليم الديني وقد تخرج على يديه ثلة من العلماء الأجلاء وعلى رأسهم الشيخ الهادي العيدودي.

وفي السنوات العشر التي أعقبت مجازر سطيف وغيرها نشط الشيخ المختار سريا في النضال السياسي بغية الإسراع في تحرير الوطن، وحين اندلعت الثورة المباركة انضم إليها بلا توان حيث لاحقته السلطات الإستعمارية فلما لم تتمكن منه عمدت إلى قصف داره بالمدفعية كعادة الجبناء المتغطرسين وكان قد دخل التراب التونسي فعمل محافظا للشرطة الجزائرية على الحدود وتسنى له الاتصال مرارا بالسيد فرحات عباس وغيره من أعضاء الحكومة المؤقتة ثم عاد إلى موطنه فتعرض لمطاردة العدو لكنه استقر بجبال أولاد تبان ولمواسة وأولاد بوسلامة بجنوب الولاية وقد تقلد عدة مسؤوليات أثناء الثورة، وبعد أن استضاءت البلاد بنور الاستقلال فإذا بلمختار يعود إلى أهله ومسقط رأسه ليواصل عمله الخيري والتنويري في كنف الحرية والسيادة الوطنية وعزم على أداء مناسك الحج فتأتى له ذلك مرتين ثم زار البلاد التونسية ليستعيد ذكرياته الجهادية بها وهناك عرج على جامع الزيتونة الذي طالما تمنى أن يكون من خرجيه ولم تتح له فرصة الدراسة به فاكتفى بزيارته.

وكان الشيخ المختار يصلح بين المتخاصمين ولا يعترض على رأيه أحد لأنه كان مطاعا مسموع الكلمة بين الأهالي كما كان محترما لدى قضاة المحاكم الوطنية لثقتهم في إخلاصه وعلمه، وخاصة في قضايا العرف والأحوال الشخصية والمواريث ونزاعات الأهالي والأعراش، وكذا السلطات الوصية بتوليته الإمامة والخطابة بالمسجد المركزي لمدينة سطيف(مسجد عبد الحميد بن باديس) وكذا بالمسجد المركزي لبلدية عين الحجر(مسجد البشير الإبراهيمي) وظل يدعو إلى العلم والوحدة والتآخي، كما ظل يزوره أهل الخير والإصلاح لأخذ الفتوى وعلوم الدين واللغة عنه حتى وافته المنية بعد أكثر من أسبوعين من الاحتفال بالذكرى السادسة والعشرين للاستقلال الوطني وذلك يوم 23 جويلية 1988.

عبد الهادي. ب

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق