الأورس بلوس

المرأة أخت التمرة أمسحها وكولها؟!

لكل مقام مقال

يعتبر هذا المثل الشعبي حكما “استثنائيا” لصالح المرأة في مجتمع ذكوري إقصائي يمجّد الرجل رغم “أخطائه” و”ذنوبه” و”هفواته” و”عثراته” و سلبياته” و “تجاوزاته”.. مقابل رصد دقيق وإدانة تحمل صفة “الديمومة” للأنثى صاحبة الجناح المهيض المكسور في مجتمعنا، الذي أوصد أبواب الرحمة في وجهها بتحميلها كامل المسؤولية منفردة في حال ارتكبت خطأ “لا يُغتفر” في ميزان العدالة المائل والمنحاز لكل من وُسمت شهادة ميلاده بجنس “ذكر”..
ورغم ذلك تجرّأ أحد أجدادنا على “ضيق” التقاليد و”عَمى” العادات و”محدودية” الفكر بقوله “المرأة أخت التمرة أمسحها وكولها”..ولا يمكن أن يؤخذ المثل بظاهره وإنما بمعناه العميق ففعل الأمر هنا في “كولها” تعني “التقبل” والتجاوز وعدم الالتفات إلى أخطاء الماضي و”المغفرة” كشقيقها الرجل “المغفور له” سلفا..واختيار ثمرة “التمر” هنا لم يأتي اعتباطا وإنما لكونها ذات حلاوة لا تقاوم وهي تنمو في ظروف قاسية محاطة بالغبار والعواصف الرملية وأكلها وتنظيفها لا يزيد عن مسحة بسيطة لتزيح عنها “تراكمات” أشهر من “الصمود”؟!.
ولتأكيد هذا التصرف الحضاري النبيل جاء من يعزز هذا المثل بآخر أكثر جرأة وتبرئة “للمرأة” حيث قيل “ما كانش شجرة ما قاسهاش الريح” وهو بمثابة التماس عذر لكون المرأة “إنسان يخطئ ويصيب” ولن ترتقي إلى مصاف الملائكة أو تنزل إلى درك الشياطين، وإنما تتصرف وفق كونها “بشرية” لها كامل الحق في انتزاع فرصة للبدء من جديد..
” المرأة أخت التمرة أمسحها وكولها”..هو نصيحة ترددت في مثل شعبي ويبدو أن مورده صحراوي أصيل “فكل وعاء بما فيه ينضح” والحكمة ابنة بيئتها وقيل أن رجلا تعلق قلبه بامرأة مطلقة..فكان أن عارض أهله الزواج بها..ليدخل في صراع بين نظرة المجتمع المريبة وأحكامه المسبقة وإصرار والدته على تزويجه “بكرا” لا غبار عليها ولا كلام يتردد من حولها.. لكنه لجأ إلى حكيم القرية واشتكى إليه حاله فقال له لا تلتفت لأحد لأنه ثبت لي من طول تجاربي أن ” المرأة أخت التمرة أمسحها وكولها”..فمضى في قراره وتزوجها..ومع الأيام أثبتت الفتاة حسن أخلاقها وعشرتها الطيبة وأصالتها..وألجمت بذلك أفواه المعارضين والمشككين..ورضيت والدته وأصبحت تتفاخر بها في المجالس والمناسبات..
“المرأة أخت التمرة أمسحها وكولها”..يضرب هذا المثل لتكريس مبدأ التسامح والمغفرة وأنه لا أحد يولد خاليا من العيوب أو منزّها عن الأخطاء والخطايا؟!.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق