مجتمع

المرأة الريفية بالأوراس بين الواقع والتحديات

أحيت الجزائر أمس، اليوم العالمي للمرأة الريفية المصادف المصادف لتاريخ الـ15 أكتوبر من كل سنة، وذلك بهدف التحسيس بأهمية دور المرأة الريفية في التنمية الفلاحية وتحسين مستوى الأمن الغذائي، وهو المسعى الذي تهدف الجزائر إلى تحقيقه من خلال مختلف البرامج الاجتماعية والاقتصادية انطلاقا من مشاريع التجديد الريفي وتخصيصها بعمليات جوارية فردية وجماعية وإدماجها في الحياة العملية والتعليمية من خلال المخططات الإستراتيجية الرامية إلى تحرير المرأة الريفية من الأمية الأبجدية في قطاع التربية والتكوين المهني، وتطوير مهاراتها في إنشاء وتسيير مؤسسات مصغرة، إلا أن الواقع اليومي للكثير من النساء الريفيات بمنطقة الأوراس لا يعكس حقيقة حجم هذه المشاريع والموارد المالية الضخمة التي خصصتها الدولة لخلق العائلات المنتجة في الوسط الريفي وهو ما يعبر عن وجود خلل ما في عملية إدماج المرأة فعليا في الحياة الاجتماعية والمهنية.

 

رغم وجود الكثير من الجمعيات المحلية والوطنية المكلفة بتنشيط هذه الفضاءات الريفية وإيصال كل برامج الدعم المخصصة من قبل المديرية العامة للغابات أو المصالح الفلاحية وحتى أجهزة الدعم والتشغيل المختلفة. المرأة الريفية عنوان التحدي والنضال ومدرسة التاريخ والهوية كانت المرأة الجزائرية في فترة الاستعمار الفرنسي العنصر المهم في الثورة التحريرية، حيث وقفت جنبا إلى جنب مع أخيها الرجل لتحرير هذا الوطن الذي دافعت من أجله حتى اللحظات الأخيرة، تحملت مسؤولية الكفاح في الأرياف والمدن لكسر الحصار الذي كان يشكله المستعمر، عملت كممرصة تعالج المجاهدين في الجبال، تحضر المؤونة، وتحفز أولادها على الدفاع على دينهم وشرفهم ووطنهم، وبعد فترة الاستقلال المرأة الأوراسية لازمت قراها ومداشرها وتحصنت بجبالها وسهولها وواحاتها خوفا من عودة الاستعمار مجددا أو بعض من الغزاة الذين كانوا يطمعون في أرض وخيرات المنطقة،طبعا ليس هذا بغريب على أبناء وبنات الأوراس الذين تميزوا بوطنيتهم إلى حد أنهم قدموا الغالي والنفيس وكل ما يملكون للإعتاق من الاستعمار وتحقيق الحرية، حيث كسبت المرأة الجزائرية احترام كل شعوب العالم بما فيها المنظمات والهيئات الدولية الحكومية وغير الرسمية،من بينها منظمة الأمم المتحدة التي أشادت بدور المرأة الجزائرية في عديد المجالات، فالمرأة بالجزائر وبعد أن قامت بواجبها التحرري على أحسن وجه توجهت ومنذ بزوغ فجر الحرية إلى خدمة أرضها وإعالة أبنائها وكانت السند المتين لزوجها لتوفير قوت يومهم، فاشتغلت بالحرث والزرع وشاركت في مواسم الحصاد والدرس وامتهنت الرعي وحياكة النسيج وغيرها من النشاطات اليومية التي تحاكي بها أدوات تقليدية شكلت منذ عصور وسيلة لكسب الرزق في المجتمع الأوراسي، ومن أهمها الرحى التقليدية”أسيرث” لطحن الحبوب وتوفير القوت اليومي، ولأن المرأة هي المسؤولة بشؤون البيت فهي أكثر من يستعمل الرحى بشكل يومي، حيث تستبق نهوض بقية أفراد الأسرة من النوم لتعد الكسرة من الدقيق الذي جهزته مرددة الأغاني والأشعار التي حفظتها ذاكرتها، نجد في الموروث الغنائي القديم لأغلب الدول العربية العديد من الأغاني التي يمكن وصفها بالنسائية والتي كثيرا ما تحمّلها النساء كلمات وألحانا تعبر من خلالها عن حزنها أو فرحها. وفي المخزون الشعبي للتراث الأوراسي نجد حكايات طويلة تناقلتها الأجيال المتعاقبة ووثقتها الأغاني الشعبية والفلكلورية من حديث النساء قديما مع الطاحونة التقليدية والعلاقة الوثيقة بين المرأة والرحى اكتسبت أبعادا نفسية واجتماعية ووجدانية مختلفة وتمخض عنها زخم غنائي وشعري مثل أحد وجوه الإبداع في المجتمعات الأوراسية، وبما أن معظم نساء الأرياف يعتمدن على الموارد الطبيعية في معيشتهن وهن من يتولى إنتاج وتجهيز وإعداد الكثير من وجبات المجتمع، وهن في الغالب المسؤول الأول عن الأمن الغذائي والوضع الصحي والفرص التعليمية للأسر الريفية، وعليه نوهت منظمة الأمم المتحدة بالدور الكبير للنساء الريفيات في تحقيق الاكتفاء الذاتي والمساهمة في الأمن الغذائي، حيث خصت المرأة الريفية يوما عالميا تحتفي به المجموعة الدولية كل سنة للتأكيد على ضرورة الاهتمام أكثر بهذه الشريحة من المجتمع بتخصيص مشاريع تنموية في قطاعي الفلاحة والصناعة التقليدية، وفي تقرير للأمم المتحدة أوضحت انه في البلدان النامية تمثل المرأة حوالي 43 في المئة من القوة العاملة الزراعية وينتجون الكثير من المنتوجات النباتية والحيوانية مما يجعل المرأة الريفية المسؤولة الأساسية على الأمن الغذائي، وأضاف التقرير أن 76 في المئة من شعوب دول العالم الثالث يعيشون في حالة فقر يتواجدون في المناطق الريفية، بوصول المرأة إلى الموارد الإنتاجية الزراعية سيساهم في انخفاض نسبة الفقر والجوع في العالم، ويجعل المرأة الريفية عنصرا هاما لنجاح أعمال التنمية المستدامة، مشاريع التنمية الريفية لإدماج المرأة الريفية بمشاريع فردية وجماعية من أهم برامج الدعم التي انتهجتها الدولة للتنمية الريفية بالجزائر هي مشاريع التجديد الريفي والفلاحي التي تضمنت مشاريع جوارية سمحت ببعث الحياة في سكان الأرياف ، حيث ساهمت هذه السياسة في إحياء قرى بكاملها وخلقت ألاف المشاريع الفلاحية التي أنعشت الاقتصاد وحققت الاكتفاء الذاتي في بعض الشعب الفلاحية، بالإضافة إلى لآلاف من المشاريع الجوارية للتنمية الريفية المدمجة، متكونة من سلسلة من العمليات المدمجة التي تهدف إلى فك العزلة بشق الطرقات والمساك الريفية وحماية وتثمين الموارد الطبيعية ،حيث انطلقت هذه السياسة منذ عام 2007، وتم اختيار مناطق معينة لتجسيد هذه البرامج كمرحلية أولية ونموذجية وتم على مستوى ولاية خنشلة إطلاق 60 مشروعا جواريا لفائدة 14 بلدية ريفية، حيث لقيت هذه التجربة نجاحا بعد الإقبال الكبير لسكان الفضاءات الريفية على هذه المشاريع التي تضمنت عمليات جوارية فردية وجماعية منها فتح المسالك وشق الطرقات وتوزيع الأبقار الحلوب على الموالين وتخصيص عمليات أخرى لتوزيع خلايا النحل وتربية الحيوانات الصغيرة، هذا التقدم في برامج الدعم الفلاحي جعل السلطات المركزية تفكر في توسيع هذه المشاريع لتشمل عديد القطاعات، حيث تم إبرام اتفاقيات مع عديد الشركاء كالصحة والسكان،التربية ،السكن،الموارد المائية،الطاقة والمناجم، وأسندت مهام تطبيقها للمديرية العامة للغابات ممثلة لوزارة الفلاحة والتنمية الريفية وبالتنسيق أيضا مع الحركة الجمعوية، وبموجب هذه الاتفاقيات تم توسيع مجالات الاستفادة إلى قطاعات حيوية كالتغطية الصحية، وإنجاز مدارس لتعليم أبناء القرى، فضلا عن حفر آبار عميقة وارتوازية لتوفير الماء الشروب للساكنة في الفضاءات الريفية، ليشكل برنامج الدعم الريفي في قطاع السكن أهم مشروع إستراتيجي سمح بعودة الأهالي للمناطق الريفية وساعدهم على الاستقرار وهو برنامج السكن الريفي الذي شهد نجاحا كبيرا في مختلف ولايات الوطن خاصة بمناطق الهضاب العليا والأوراس، أين ساعد على إحياء تجمعات سكانية عانت لعقود في العزلة والتهميش ومكن السكان من الاستفادة بمبلغ مالي في بداية العملية على 70 مليون سنتيم مع 50 شجرة زيتون، وهذا في إطار سياسة الدولة الرامية إلى إحياء المساحات الفلاحية وتشجيع غراسة الأشجار المثمرة وغيرها من الشعب الفلاحية والمنتوجات الزراعية كغراسة الخضروات وتربية وجمع الحليب وتربية النحل، وهو ما تم فعلا على مستوى معظم المناطق الريفية ببلديات ولاية خنشلة، خاصة بعد إيجاد الصيغة الثانية لبرنامج السكن الريفي والمتمثل في التجمعات الريفية التي لاقت أيضا طلبا كبيرا من المواطنين خاصة الشباب ،أما بالنسبة لمشاريع حماية البيئة فقد تم إنجاز مشاريع هامة في هذا الإطار بقيام محافظة الغابات ببناء جدران إستنادية لحماية الأراضي الخصبة وكذا حماية الأحواض الدافقة فضلا عن توفير مناصب شغل موسمية لفائدة سكان المناطق الريفية خاصة في فصل الصيف لحماية الثروة الغابية من حرائق الغابات ومن عصابات تهريب الأشجار، وقد شكلت المرأة الريفية محور سياسة التجديد الريفي وذلك بحصولها أيضا على مشاريع دعم مختلفة في هذه السياسة التي مكنت من خلق تعاونيات وورشات حرفية وأخرى في النشاط الزراعي حيث استفادت الكثير من النسوة من مشاريع جوارية سمحت لها بتطوير وسائل التشغيل والعمل الزراعي، في حين كان للبعض أيضا فرصا عديدة للحصول على فرص التكوين ومناصب بيداغوجية في التكوين المهني بفضل العروض المفتوحة والموجهة للمرأة الريفية، كما كانت لملحقة محو الأمية وتعليم الكبار في تحرير المرأة الريفية من الأمية الأبجدية من خلال فتحها لكثير من أقسام محو الأمية في الأرياف والقرى عبر المساجد والجمعيات وشهدت إقبالا معتبرا من قبل السكان خاصة النساء منهم، بحيث شكلت فصول محو الأمية احد الدعائم الاجتماعية التي قلصت من الأمية الأبجدية وسمحت للمتحررات من الحصول على شهادات مكنتهم من الدخول إلى مراكز التكوين المهني لترقية تخصصاتهم وكذا الحصول على دعم مالي من مختلف صناديق الدعم وأجهزة التشغيل.

جريدي. خ

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق