العمود

المسؤولون والمرآة

بكل وضوح

هناك اعتقاد راسخ لدى كثير من الشيوخ والعجائز، فقد كانوا يقولون أن الإكثار من النظر في المرآة يصيب صاحبه بالسفاهة، أي أن الرجل الذي يكثر النظر في المرآة تنقص هيبته ويضيع وقاره، والمرأة التي تكثر النظر في المرآة تصبح وقحة بعض الشيء وتضيع هيبتها كامرأة أيضا، وفي كلا الحالتين فإن الرجل والمرأة اللذان يكثران النظر في المرآة يصبحان شخصين لا يعول عليهما كثيرا في الميدان وفي قضاء الحاجات سواء المتعلقة بهما أو الحاجات المتعلقة بالناس والصالح العام، وعلى الأرجح فهذا الاعتقاد صحيح.
اليوم، وفي عصر التكنولوجيا فقد أصبح للمرآة تسمية أخرى هي “السيلفي”، وهي الصور التي يأخذها الشخص لنفسه وينشرها عبر صفحات مختلفة على مواقع التواصل الاجتماعي، وإذا ما اعتبرنا الرغبة في مشاركة اللحظات الجميلة من طرف أشخاص “عاديين” أمرا عاديا فإن ما ليس عاديا هو أن يصبح المسؤول أكثر الناس ولعا بأخذ السيلفي في كل خطوة يقوم بها كمسؤول، وهنا يحضرنا اعتقاد الأجداد وعند إسقاطه على المسؤولين فإننا نجد أنه صحيح لأبعد الحدود، فقد كان المسؤولون في السابق وإن كان البعض منهم “سراقا وبني حرام” إلا أنهم كانوا يقدمون خدمات معتبرة للمواطن ويحاولون حل المشاكل وكانوا يدركون معنى أن يكونوا مسؤولين ويدركون معنى المسؤولية، أما اليوم فقد بات المسؤولون منشغلين بأخذ صور لأنفسهم حتى عندما يؤدون واجبهم “الإنساني” اتجاه شخص مريض في المستشفى بل وحتى عندما يقومون بتأدية “الصلاة في المسجد”، حتى أصبح المواطن مطلعا على الحياة اليومية للمسؤولين أكثر من اطلاعه على ما يجب الاطلاع عليه من مشاريع يفترض أن تجسد على الواقع خدمة له وخدمة للمجتمع.
كثير من المسؤولين اليوم قد أثر فيهم “السيلفي” وأصبحوا سفهاء، وباتت الهواتف الذكية والكاميرات بمثابة مرآة عصرية أسقطت هيبة “الرجال والنساء” منهم، حتى أن بعض الولاة قد أذهب عنهم “السيلفي” وقارهم وأنساهم في مهمتهم الأساسية وهي خدمة المواطن في إقليم الولاية وحل مشاكله وإيجاد الحلول لمختلف الأزمات وجعلهم ينشغلون فقط بالإشهار لأنفسهم تحت مسمى “شوفوني يا ناس” فأصبح الناس يرون الوالي أما عمل الوالي “يجيب رب”.

عبد العالي بلحاج

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق