إسلاميات

المسارعة بالخيرات في رمضان

قال تعالى: ” ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ” سورة فاطر الآية 32

فرضت العدالة الإلهية الصوم لكي يشعر الغني بجوع الفقير، والموسِر بحال المحروم؛ يقولون: لا يعرف أربعة إلا أربعة: لا يعرف قدر الشباب إلا الشيوخ، ولا يعرف قدر العافية إلا أهل البلاء، ولا يعرف قدر الحياة إلا الموتى، ولا يعرف جوع الفقير المسكين إلا الصائم.

وقد دارت عجلة الزمن، وظللتنا نفحات الشهر المبارك لإنقاذ الفقير المسكين، ولاختبار المؤمن الصبور المتمسك بدينه، وحتى يشعر الغني بالآم الجوع فحينئذٍ يمسح دموعَ الفقراء، وها هو ذا نداء المولى عز وجل أن حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على العبادة، حي على الطاعة، حي على الصدقات، حي على تلاوة القرآن؛ إنه شهرُ رمضان المعظم المكرم، الذي أنزل فيه القرآنُ هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان.

وإذا كانت الصدقة في غير رمضان مطلوبة، فهي في رمضان أكثر إلحاحا، والحلم في غير رمضان عظيم، ولكنه في رمضان أعظم؛ بمعنى أنك لا ترفث، ولا تشتم، ولا تسب، ولا تصخب، وإذا أهانك إنسان فقل هذه العبارة الجميلة التي إن دلت على شيء فإنما تدل على سماحة الإسلام، وهي ” اللهم إني صائم”.

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “قال الله عز وجل: كلُّ عملِ ابنِ آدم له، إلا الصيامَ، فإنه لي وأنا أجزي به، والصيامُ جنة، فإذا كان يومُ صوم أحدكم، فلا يرفث يومئذ ولا يسخب، فإن سابّه أحدٌ أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم، والذي نفسُ محمد بيده لَخُلوفُ فم الصائم أطيبُ عند الله يوم القيامة من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحُهما؛ إذا أفطر فرِحَ بفطره، وإذا لقي ربَّه فرح بصومه”، رواه البخاري ومسلم.

والصوم هو العبادة الوحيدة الخالية من الرياء، ولذا فهو يربي في الإنسان ملكة المراقبة لله عز وجل، وهو العبادة التي تتخلصُ بها من إسراف الشهوات وسلطان العادات، وتسمو بالإنسان إلى التشبه بالملائكة الكرام، وبالصوم يمكنك حكمُ نفسك بنفسك حين تتعود نفسُك الصبرَ، والصبرُ نصفُ الإيمان.

وبالصيام تعتادُ الرحمة؛ لأنك ذقت ألم الجوع في رمضان، ولذلك قيل ليوسف عليه السلام: لماذا تجوع وأنت على خزائن الأرض؟ فقال: أخاف أن أشبع فأنسى الجائع.

وبالصيام تعتاد الأمانةَ، ويقظة الضمير، والطاعة والوفاء والإخلاص؛ لأنه لا رقيب عليك إلا خالقك جل وعلا، هذا شهر الفتح والربح الجليل، هذا منهل الإحسان، وهذا ميدان تسابق الأخيار بالخيرات إلى الدار الآخرة، فشمروا عن ساعد الجد، وقدّموا فيه من فضائل الأعمال، وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعلمون بصير.

 

وفى الحديث المتفق عليه عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: “كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أجودَ الناس بالخير، وكان أجودُه ما يكون فى رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل عليه السلام يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، فلرسول الله –صلى الله عليه وسلم- أجودُ بالخير من الريح المرسلة”.

وعن أنس قال: قيل يا رسول الله أيُّ الصدقة أفضل؟ قال: “صدقة رمضان”.

وعلى المسلم أن يجتهد في العبادة في العشر الأواخر من رمضان؛ ففي الحديث المتفق عليه عن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: “كان إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أحيا الليل، وأيقظ أهله، وشد المئزر”.

وشدُّ المئزر كناية عن اعتزال النساء للاشتغال بالعبادة وإحياء الليل بالصلاة وغيرها من الطاعات.

ولأنّ الصائمَ قائمُ بعبادةٍ عظيمة، فقد ترك الحلالَ في نهار رمضان من مأكل ومشرب ومنكحٍ طاعةً لربه، وتنفيذًا لأمره وفرضه، وطمعًا في رضاه وجنته واستسلاماً له وخضوعاً فلا ينبغي له أن يجهل مع الجاهلين، ولا يليق به أن يسب أو يلغو، وإنما عليه أن يحفظ لسانه، وأن يصونه؛ فعن أبى هريرة –رضي الله الله- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “ليس الصيام من الأكل والشرب، إنما الصيام من اللغو والرفث؛ فإن سابك أحد أو جهل عليك فقل إني صائم إني صائم”.

وقول الزور هو فى كل الأحوال لا يجوز، ولكنه قد يضيع ثواب الصيام، وربما لا يقبل الله عز وجل هذا الصيام؛ فعن أبى هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “من لم يَدَعْ قولَ الزورِ والعملَ به فليس لله حاجةٌ في أن يدعَ طعامَه وشرابه”.

وهناك أمر مستحب نحن أحوج ما نكون إلى الاهتمام به، وهو دعاء الصائم، والدعاء هو العبادة، وقد أوجب الله تعالى على عباده أن يسألوه؛ قال تعالى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60] وجاء في آيات الصيام قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186].

ويستحب للصائم أن يدعو في حال صومه بمهمات الآخرة والدنيا له ولمن يحب من المسلمين.

فعن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: “ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، والمظلوم”.

وشهرُ رمضان فرصةٌ عظيمة من فرص الخير لمن اغتنمها، فرُوِي عن أبى هريرة رضي الله عنه مرفوعا: “بمحلوف رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أتى على المسلمين شهر خير لهم من رمضان، ولا أتى على المنافقين شهر شر من رمضان، وذلك لما يعد المؤمنون فيه من القوة للعبادة، وما يعد فيه المنافقون من غفلات الناس وعوراتهم، هو غنم المؤمن يغتنمه الفاجر”.

د. حسين الشامي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق