إسلاميات

المسارعة والمبادرة لفعل الخيرات والحرص على ديمومتها

قال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ سورة آل عمران الآيتين 133 ـ 134

والمسارعة إلى الخيرات والطاعات أمر من الله عز وجل إلى عباده، وهي دعوة قائِمَةٌ على الدوام ولا تنتهي في أي حال ولا مكان ولا زمان.

قال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 133: 134]، وجاء في تفسير الطبري بيان إلى مجالات المسارعة فقال: [وبادروا وسابقوا “إلى مغفرة من ربكم”، يعني: إلى ما يستر عليكم ذنوبكم من رحمته، وما يغطيها عليكم من عفوه عن عقوبتكم عليها “وجنة عرضها السموات والأرض” يعني: وسارعوا أيضًا إلى جنة عرضها السموات والأرض] (الإمام ابن جرير الطبري/ جامع البيان في تأويل القرآن ص 207 ج4 ط1 بتحقيق الشيخ أحمد محمد شاكر 2000م مؤسسة الرسالة)، وأشهر ما ذكره القرآن الكريم في مجالات المسارعة إلى الخيرات هو الإنفاق في السراء والضراء وكظم الغيظ وعدم إنفاذه والعفو عن الخلق لوجه الله الكريم.

والمسارعة إلى المغفرة والجنة هي المبادرة إلى أسباب الوصول إليهما باستعداد المؤمنين ومسارعتهم لنيل هذا الفضل العظيم، [وقد ورد في إيضاح ما يسارع إليه هؤلاء المؤمنون أقوال، فقيل: سارعوا إلى اجتناب المعاصي وقيل: سارعوا إلى الإسلام، وقيل: سارعوا إلى أداء الفرائض، وقيل: سارعوا إلى الهجرة، وقيل: سارعوا إلى التكبيرة الأولى، وقيل: سارعوا إلى أداء الطاعات، وقيل: سارعوا إلى الصلوات، وقيل: سارعوا إلى الجهاد، وقيل: سارعوا إلى التوبة، هذه أقوال تقارب العشرة وقد يكون هناك غيرها في تضاعيف التفاسير العديدة] (الدكتور أحمد الشرباصي /موسوعة أخلاق القرآن ص243 ج 1 ط3 1987م دار الرائد العربي – بيروت).

وقد عبر القرآن الكريم عن المسارعة في الخيرات بالسباق، كأن الصالحين في تسابقٍ كريمٍ أيهم يحوز الفضل قبل الآخر، قال الله تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: 21].

وكان الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام يسارعون إلى ربهم بما يرضيه كما أمرهم الله رب العالمين، ومنهم سيدنا موسى عليه السلام، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: 83: 84]، فقد غلبه الشوق إلى ربه فترك سبعين من قومه كانوا خارجين للميقات وسبقهم إلى الله تعالى، وقد ذكر القرطبي في الجامع: [ذكر عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله: “وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى” قال: شوقا. وكانت عائشة رضي الله عنها إذا آوت إلى فراشها تقول: هاتوا المجيد. فتؤتى بالمصحف فتأخذه في صدرها وتنام معه تتسلى بذلك، رواه سفيان عن عائشة رضي الله عنها. وكان عليه الصلاة والسلام إذا أمطرت السماء خلع ثيابه وتجرد حتى يصيبه المطر ويقول: “إنه حديث عهد بربي” فهذا من الرسول صلى الله عليه وسلم وممن بعده من قبيل الشوق، ولذلك قال الله تبارك اسمه فيما يروى عنه: “طال شوق الأبرار إلى لقائي وأنا إلى لقائهم أشوق”، قال ابن عباس: كان الله عالما ولكن قال: “وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ” رحمة لموسى وإكراما له بهذا القول وتسكينا لقلبه ورقة عليه؛ فقال مجيبا لربه: “هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي”.

وعن صور الأعمال الصالحة التي ينبغي التسابق فيها قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون 57: 61].

وقد زكى الله قوما من أهل الكتاب لجملة من الأعمال الصالحة والتي منها المسارعة في الخيرات، قال الله تعالى:﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 113: 115]، وهم المذكورون في ختام السورة كما نص ابن كثيرٍ وغيره في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: 199].

إنها رجاءات خَيِّرَة ليست لها في مبادرات الناس هذه الأيام النصيب الأوفى، ونحن على مدارج البلاء والعطالة نسير بين غنى مطغٍ وفقر يدق الأعناق، وقد يهرم الإنسان ويدركه الموت قبل تحقيق آماله العريضة التي كان ينتظر تحقيقها في الحياة، ولذا قال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: [بادروا بالأعمالِ فتنًا كقطعِ الليلِ المظلمِ. يصبحُ الرجلُ مؤمنًا ويمسي كافرا أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيعُ دينَه بعرضٍ من الدنيا]  وهكذا تزداد الفتن وعوارض المنع من الأعمال الصالحة، وعندما يزيد الخطر فتكون الدعوة بالمسارعة إلى العمل الصالح أهدى سبيلاً وأقوم قيلا خصوصا قبل بزوغ الفتن الكبرى .

فالبِدَار هو الأفضل في زمن الاختيار، قبل أن يفوت قطار العمر بأحلامه وآماله، على الشباب أن يغتنموا الفرص، فإن الدهر دولٌ والأيام قُلَّبٌ لا تستقر على حال.

وعن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [اغتنمْ خمسًا قبلَ خمسٍ: حياتَك قبلَ موتِك، وصحتَك قبلَ سقمِك، وفراغَك قبلَ شغلِك، وشبابَك قبلَ هرمِك، وغنَاك قبلَ فقرِك]

وقد ذم الله التباطؤ وأهله وصوَّرَهُ القرآن الكريم قي صورةٍ مذمومةٍ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 142].

حسين شعبان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق