استطلاعات

المقاطعة…السلوك الغائب رغم نجاعته

تجسيدها ضروري لخفض الأسعار والتحكم فيها

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ استطلاع/ رحمة مدور

 أجبر، الإرتفاع الجنوني للأسعار الخاصة بمختلف المواد الغذائية من خضر ولحوم وزيوت وغيرها، المواطن على الوقوف في مفترق طرق، ما بين اللجوء إلى مقاطعة هذه المنتجات إلى غاية عودتها إلى سدة الصواب، أو الرضوخ لواقع ما هو موجود والإقتناء لسد الحاجات والنأي عن المشاحنات الناتجة عن الوضع، أو حتى المساهمة فيها عملا بمقولة “ياكل فالغلة ويسب فالملة”.

 

دعوات جادة وقنوات صماء

إنطلقت الكثير من الدعوات الجادة للعمل على مقاطعة المنتوجات التي ارتفعت أسعارها، بشكل تراتبي، فما إن ارتفع الدجاج وقبله البيض، حتى تداعت له الزيت ندرة وغلاء، وصولا إلى السكر والخضر، وغيرهم من المواد والمنتجات في قائمة ملتهبة تأبى الخبْت، ورغم أنها تصب في الصالح العام لو تم التجاوب معها لعودة الأسعار وعروض المواد والطلب عليها إلى نصابها؛ إلا أنها لم تلق الإقبال الكبير، أو حتى الرغبة فيها واقتصرت على التطبيق الفردي لها، خاصة مع لامبالاة وسائل الإعلام والجهات المختصة بها وعدم تسليط الضوء عليها بالشكل اللازم.

 

استجابة متباينة إلى متدنية

جاء واقع الرضوخ لما هو موجود، كحل الأكثر شيوعا وعملا به من قبل أغلبية المستجوبين على تعدد فئاتهم، أين قالوا أنهم “ماعندنامانديروا”و”الحال من بعضه على الجميع، وليس بيدنا حل آخر”، حيث صرح السيد مولود، ومحمد، صديقان كانا يتسوقان معا “أنه لدينا عائلات وأبناء يتوجب علينا قضاء حاجاتهم، وسد رمقهم، أم نتركهم يموتون جوعا، خاصة وأننا في الشهر الفضيل”، ولم يقتصر الأمر على كبار السن المعروفين بتعنتهم في مثل هذه المواقف والأمور، باللهث خلف كل ما هو نادر وغال بغية إيجاده واقتنائه وطمأنة قلوبهم برؤية تلك المواد في منازلهم، ولو على حساب جيوبهم وقدراتهم المالية والمادية وحتى مبادئهم، بل تعدى الأمر إلى الشباب المثقف الذي من المفترض أن يكون قدوة ودافعا للغير، أين أبدت الكثير من الفتيات بين طالبات وموظفات استغرابهن من طرح السؤال عليهن، فحسبهن الأمر لا يحتاج إلى نقاش، فكيف لنا تحضير أطباق لذيذة دون مكونات أصلية يعتمد مذاقها عليها، على غرار اللحم أو البطاطا وغيرها من المواد والمكونات، حتى لو ارتفع سقف أثمانها إلى أسعار خيالية، خاصة في هذا الشهر الفضيل.

فيما أكد العض على صمودهم أمام هذه الموجة من الإرتفاع، بتطبيق حل المقاطعة منذ البداية، وهو ما أكدته السيدة فاطمة وبعض النسوة اللواتي تم الحديث إليهن، معتبرات إياها نوعا من الجهاد للنفس، والدفاع عن مبادئ لطالما تربوا عليا قبلا، ومشددات على التوجه إلى حلول بديلة لتحضير وجبات إفطار للعائلة، رغم افتقارها لبعض المكونات الأساسية في تحضيرها على غرار اللحم، والاكتفاء بمنكهات تحمل ذوقه في شوربة الجاري مثلا، أو الاكتفاء بالتقلية بالسمن وتحضير بوراك في الفرن بدل قليه لندرة الزيت وارتفاع أسعارها بل حتى أنه أكثر صحية، فيما ذهب البعض إلى حلول وسطية مؤكدين على أنهم يستنزفون مختلف الحلول، ولا يبحثونعن هذه المواد إلى غاية عدم توفر بدائل لها، فيعمدون إلى إقتناء كميات قليلة منها والتقليل من استهلاكها عائليا، إلى أنيتحلحلالوضع وتعود الأمور إلى مجاريها كما كانت قبلا أو ربما أفضل، وإنكان ذلك لم يمنع من تضرر جيوبهم خاصة مع غياب السيولة في مراكز البريد والإضراب الأخير لعمالها، والتي زادت الطين بلة على الصعيد المادي والنفسي للمواطنين.

 

المقاطعة الحل الغائب

ورغم أن اللجوء إلى المقاطعة كحل وجب الإلتزام به من قبل المواطنين، ورغم أنها أثبتت نجاعتها قبلا مع بقية دول العالم أو حتى على الصعيد المحلي، إلا أن عدم الإجماع على تجسيدها على أرض الواقع يطرح الكثير من التساؤلات حول الخنوع الشعبي أمام هذه التجاوزات السعرية، خاصة مع الضرر الكبير الذي مسهم على الصعيد الاجتماعي الاقتصادي والنفسي.

 

الدكتور غضبان… المقاطعة سلوك حضاري أثبت نجاعته في مواجهة الغلاء المناسباتي

في ذات السياق، أكد الدكتور حسام الدين غضبان، أستاذ محاضر في إدارة الأعمال بجامعة بسكرة، أنه ورغم كون المقاطعة “سلوكا حضاريا، أثبت فعاليته ونجاعته على مدار التاريخ، في مواجهة غلاء الأسعار التي تبرز مع حلول المناسبات خصوصا، سواء في الجزائر أو بقية الدول النامية بشكل عام”، حيث يسعى التجار إلى استغلال حاجة المواطنين إلى هذه السلع، ليقوموا برفع سعرها، عبر تخفيض العرض أو استخدام أساليب غير أخلاقية أخرى، مثل ما نعايشه مع الخضر التي تعرف تواجدا في العرض وارتفاعا في الثمن، وتعد المقاطعة، حسب الأستاذ غضبان، سلوكا فعالا، لارتباطها بالعرض والطلب، فإن كانت الأسعار تحدد دائما عبر التوازن بين العرض والطلب، فإن ترك وعدم شراء سلع معينة، يؤدي إلى تراكمها في الأسواق وبالتالي زيادة العرض عليها ونقص الطلب، وهو ما يؤدي إلىانخفاض الأسعار، خاصة بالنسبة للمواد الأساسية وسريعة التلف التي يمكن أن تتأثر بشكل كبير بسياسة المقاطعة.

 

تعدد لأسباب إرتفاع الأسعار والرئيسيمنها مبني للمجهول

وكان رئيس المنظمة الوطنية لحماية المستهلك مصطفي زبدي، في لقاء له قد أرجعارتفاع الأسعار في شهر رمضان إلى جشع التجار وسلوك المستهلكين،بالإضافة إلى عدم توفر الجزائر على سوق منظم ما يؤدي “إلى عدم معرفة سلسلة تتبع المنتوج”، وهي نفس الحجج التي أدرجها وزير التجارة رزيق، الأسبوع الفارط، مؤكدا على عودة أسعار المواد ذات الإستهلاك الواسع، والتي عرفت إرتفاعا كبيرا منذ بداية شهر رمضان إلى مستوياتها العادية قريبا، فيما لم يقدم التجار والباعة أسبابا صريحة للأمر، بين من ينسبها لأسواق الجملة، ولندرة بعض المواد، وحتى التماشي في رفع الأسعار مع ما هو حاصل بشكل عام، وهو ما أبانه السيد غضبان، عن عدم تحديد المتسبب الرئيسي في الرفع لحد الآن، نظرا لرمي كل طرف الكرة للآخر.

 

تعاضد ضروري باسثتناءات واقعية

أوضح الأستاذ غضبان،ضرورة توفر مجموعة من الشروط في سلوك المقاطعة لنجاحها، وذلك من خلال تجند جميع المستهلكين أو اندماج نسبة كبيرة منهم في هذا السلوك، لأنهفي حالالإنقسام بين من يقومون بالشراء وآخرين بعدمه؛ فإن هذا لن يحدث أي فعالية على أرض الواقع، وبالتالي فإن الأمر يستوجب تجند الجميع حتى تبقى كمية العرض على حالها، بالإضافة إلى ضرورة أن يتوَعا الأفراد والمجتمع عموما بأهمية المقاطعة والصبر عليها حتى تنجح المقاطعة ويجنى ثمارها، ولعله العامل أو حلقة الوصل المفقودة التي أثرت على الوضع الحالي، خاصة وأن “الناس ماتصبرش”، فلو تكاتف الجميع على عدم الإقتناء وصبروا على ذلك،فستتحطم وتنخفض الأسعار، لكن نسبة كبيرة من الناس غير مقتنعين بسلوك المقاطعة أساسا، خاصة وأنه لم يتم المرور بأزمة كبيرة تحتم على الجزائريين ممارسة هذا السلوك سابقا بما له من فعالية نتائجيا، فالجزائري قد يصبر يوما أو يومين،لكنه يضعُف فيما بعد ليقتني ما قاطعه قبلا، عدا عن تداخل عدة عوامل ذات بعد إجتماعي في الحيلولة دون نجاح الأمر، كالضغوطات التي يتعرض لها رب الأسرة من قبل أفراد عائلته، وتفضيل الأغلبية منهم للمصلحة الخاصة وتفكيره في أفراد أسرته وأبنائه، وما يرغبون به وبما سيطعمهم فقط دونا عن الصالح العام.

طرحت الأوضاع الاقتصادية والإجتماعية الحالية التي ألمت بالبلاد والعباد العديد من التساؤلات،واللغط وعدم الوعي الشعبي، مقارنة بعجز رسمي في التعامل معها، كما أبانت على ضرورة العمل على تحليل الوضع واكتشاف مسبباته وإلزامية مجابهتها، مع السعي إلى نشر الوعي الإستهلاكي وخاصة في المناسبات في أوساط المواطنين،باعتباره الحل الأمثل والدائم لمثل هذه الصرعات التي تدوي بين الحين والآخر على اختلاف مدتها وتأثيراتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى تعطيل مانع الإعلانات.