إسلاميات

المنافقون.. هم العدو فاحذرهم

قال تعالى: “وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ” سورة البقرة: 204 – 206

ما أقبح النفاق وما أقبح عواقبه ونتائجه؛ إنه مفرق للجماعات، ومسبب للأزمات، وموقع في الويلات والنكبات.

فما أصعب الحياة حين يبدأ الناس فيها يتوجسون ممن حولهم خيفة، فتحل الريبة محل الثقة، ويحل الشك محل اليقين، وما ذاك من أخلاق الإسلام ولكنها بلية النفاق وآثار المنافقين.

فالنفاق عدو الإسلام والإيمان، وعدو السلم والسلام، وعدو الأمن والأمان، وعدو الأخلاق والقيم، وعدو التقدم والاستقرار… لذا حذر الله تعالى من كيد المنافقين وخطرهم فقال سبحانه: ﴿هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَاحْذرْهُمْ﴾.

فحصر العداوة فيهم مع كثرة الأعداء من غيرهم؛ لأن غيرهم من الأعداء ظاهر أمره وبَيّن وَصْفُه، أما هؤلاء فهم مع المسلمين في الديار والمنازل صباحا ومساء، يَدُلون العدوّ على العورات، ويدبرون المكايد والمخططات، ويتربّصون الدوائرَ بالمؤمنين والمؤمنات، وأمرهم خفي على العباد.

قال سبحانه وتعالى مبينا حالهم: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِٱللهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مّنكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ [التوبة: 56] جُبَناء؛ يخافون من إظهار ما يبطنون، لا يَرْتفِعُ بهم شأنُ الإسلام مهما قالوا، ولا يزداد بهم الصف إلا ضعفاً وخبالاً مهما كثروا، ﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاٰلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ﴾ [التوبة: 47].

يزرعون الفتن، ويجُرّون مجتمعاتهم نحو المِحن، لا همّ لهم إلا خراب البلاد، وفساد العباد، لا يُعتدّ بهم في الخُطوب، ولا يُعتمدُ عليهم في الشدائد ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: 19].

ولقد هتك الله سبحانه وتعالى أستار المنافقين، وكشف أسرارهم في القرآن الكريم، وجلى لعباده أمورَهم ليكونوا منها ومن أهلها على حَذر.

فكم في القرآن الكريم من آيات تحذر من النفاق والمنافقين، ففي القرآن سورة كاملة تسمى بسورة “المنافقون”، وفي غيرها من السور المدنية آيات كثيرة تحذر من النفاق وسبيل المنافقين؛ كسورة البقرة وآل عمران والنساء والتوبة والأحزاب… وغيرها، وما ذلك إلا لشدة خطر النفاق وقبحِه، وشدة فتنة المنافقين على الإسلام وأهله، لأنهم منسوبون إلى الإسلام وإلى نصرته وموالاتِه، بينما هم أعداؤه وخصومُه.

ونبينا صلى الله عليه وسلم يحذرنا من شرورهم وفتنهم، فيقول عليه الصلاة والسلام: “إنّ أخوفَ ما أخاف على أمتي: كلّ منافِق عليم اللسان”. أخرجه الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة.

فالنفاق يسري في المجتمعات كما تنتشر النار في الهشيم، والمنافقون لا يخلو منهم زمان ولا مكان، قد تتباين أشكالهم وألوانهم ووسائلهم من زمان إلى آخر، لكنهم لا يختلفون في أهدافهم وغاياتهم في ضرب الإسلام وتشويه صورته وطمس معالمه، وإلحاق الأذى بأتباعه.

ففي صحيح البخاري عن حذيفة بن اليمان، قال: “إنّ المنافقين اليوم شر منهم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، كانوا يومئذ يُسِرّون، واليومَ يَجْهَرون”.

أفلا يجدر بنا أن نخاف النفاق ونجتنبه، وأن نبتعد عن كل الصفات والطرق التي تؤدي إليه، وأن نتعرّف على مخاطره وأشكاله حتى لا نقترب منه أو نقع فيه.

والنفاق قسمان نفاق أكبر وهو النفاق الاعتقادي، ونفاق أصغر وهو النفاق العملي.

والنفاق الاعتقادي هو النفاق الأكبر، الذي يخرج صاحبَه من المِلة – عياذا بالله – وحقيقته: أن يُظهر الإنسانُ الإيمانَ بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويبطن ما يناقض ذلك كله أو بعضَه، يظهر الإيمان ويبطن الكفر، تحايلا ومكرا وخديعة؛ وهذا هو النفاق الذي كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ونزل القرآن بذم أهله وتكفيرهم، وأخبرَ أن أهله في الدرك الأسفل من النار، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرَكِ الأَسْفلِ مِنَ النَّارِ وَلن تجدَ لهُمْ نَصِيراً﴾ [النساء: 145].

وقد بين الله تعالى في كتابه الكريم حقيقة هذا النوع من النفاق، وذكر مجموعة من علاماته، فقال سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِر وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخادعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قلوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَة بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: 8 – 16].

وللنفاق العملي علامات وأمارات كثيرة تدل عليه، من ذلك ما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “آية المنافق ثلاث: إذا حَدّث كذب، وإذا وَعدَ أخلف، وإذا ائتمِنَ خان”، وفي رواية لمسلم: “آية المنافق ثلاث، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم”.

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يَدَعَها: إذا اؤتمِن خان، وإذا حَدّثَ كذب، وإذا عاهدَ غدَر، وإذا خاصَم فجَر”. متفق عليه.

أحمد عماري

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق