الأورس بلوس

المندبة كبيرة والميت فار!؟

لكل مقام مقال

كثيرا ما تقام الدنيا ولا تقعد على أمور هينة هي أقرب إلى “اللاحدث” منها إلى حدث أو واقعة أو أمر يستحق كل تلك الضجة التي أثيرت من أجله، وأحيانا لا تتلاءم ردود الأفعال الكبيرة مع أفعال هي في الأصل أقل من أن تتضخم أو تطغى على الواجهة ورغم ذلك تحظى بالتهويل المثير للاستغراب والسخرية في آن واحد.. فيحضرنا المثل الشعبي القائل “المندبة كبيرة والميت فار”..ولعل ليس هناك من أمر هيّن كموت فأر لأنه في كل الأحوال مستهدف ولا يمكن السماح له بالعيش بالقرب منا لقذارته ونجاسته وكثرة إفساده..ما يعني أنه من المستحيل أن يقام عزاء كبير لمجرد موت فأر مهما كان السبب الذي مات من أجله أو حتى الكيفية..فالفأر من الحيوانات المستهجنة في مجتمعنا ولا يلقى الاستعطاف بقدر النفور والتقزز..
ويعتبر المثل الشعبي الشهير “المندبة كبيرة والميت فار” أبلغ تعبير مختصر عن وجوب وضع كل شيء في حجمه الصحيح.. لأنه لو حدث العكس فسيؤثر ذاك الخلل في “مصداقية” التقدير من سوءه..
ويذكر أن أصل المثل أو قصته ومورده تعود إلى زمن العائلات الممتدة والأسر وكذا الجيرة حيث كانت عديد “لعوايل” يسكنون ما يسمى “الحوش” وهو منزل كبير فيه بيوت كثيرة تطل على باحة مفتوحة دون سقف يتشاركها السكان ويتسامرون فيها وينشرون غسيلهم ويحتسون قهوة الصباح “وقعدة لعشية” الأجمل دون منازع..فحدث أن اجتمعت “النسوة” في “الحوش” كل واحدة منشغلة بعملها الروتيني اليومي إلى أن ظهر “فأر” وأفسد “المشهد” برمته حيث فزعت النسوة يصرخن ويبكين كل واحدة تريد الفرار “بجلدها” من “فأر” علما أن هناك دراسة أثبتت أن خوف النساء من هذا الكائن فطري وغير مفتعل..ولأن “الفأر” لم يجد مخرجا فقد استمر في الجري مقابل صراخ “هستيري” لنساء الحوش فسمع الرجال أصواتهن التي تعالت لتصل إلى الشارع فسارع من هم من السكان لاستطلاع الأمر وبينما فتح أحدهم الباب همّ الفأر بالهروب فرفسه بحذائه وبدل أن تصمت النساء بموته المفاجئ زاد صراخهن لعدم تصديقهن أنه مات فعلا..فصرخ بوجههن الرجل وهو يقول لهن ” المندبة كبيرة والميت فار”..
“المندبة كبيرة والميت فار”.. يضرب هذا المثل عند تهويل الأمور وإعطائها حجما أكبر من حجمها المفترض..وما أكثر “لمنادب” في أيامنا هذه التي تعظّم من شأن “الفئران” وأمثالهم من الحوادث والبشر.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق