إسلاميات

المواريث.. قسمة الله العادلة لعباده

قال الله تعالى: { لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا } سورة النساء الآية 7

قال قائلهم: “لا داعي للحسابات المُعقَّدة في الإرث، نكتفي بالمساواة”.

استوقفتني هذه العبارة وأنا أتصفَّحُ ما نشر عن دعاةِ المساواة، فلَاح في خاطري أن ثُلثَ المعرفة أو نصفَها أشدُّ شرًّا من الجهل بالحقيقة كاملة، وأن الحكمَ على الشيء فرعٌ عن تصوره، وأن الإنسان عدوُّ ما يجهل، وأن جهلَه بالشيء ألدُّ أعدائه، وأن المطالبين بهذه الدَّعْوى جلُّهم أو كلهم يتحدَّثون من فراغ معرفيٍّ يتعلق بمسائل الإرث ومبادئه ونظامه وحقائقه العظام، إن لم يكن جهلُهم مُتعلِّقًا بفقه أحكام الشارع ومسائل الاجتهاد ومظانِّه؛ فلو اطَّلعت على آراء البعض منهم، لوجدت أغلبَهم لا يعرف من هذا العلم الجليلِ إلا اسمَه أو جزءا من آية واحدة من الآيات الواردة في سورة النساء: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ﴾ [النساء: 11]، وتجده يرجع جل المسائل إليها؛ ضانا أنها الإرث كله لما يبدو له من ظاهرها، دون أن يُكلِّف نفسه عناءَ البحث في مسائل هذا العلم، ومشقة الغوص والتعمق في حقائقه؛ لذلك خصصت هذا المقالَ للحديث عن المبادئ العامة لعلم الإرث، التي يجبُ على كل مسلمة أن تكون على وعي تام بها؛ لكي لا تزيغ بها السبل، ولكي لا يميل بها خبراء الاستمالة والاستهواء إلى الاعتقاد أن شريعةَ الإسلام ظالمة للمرأة، وأن أقرب الناس إليها قد جار على حقِّها، وأن أخاها يأخذُ ضِعفَ ميراثها؛ ودفعًا لما قد يقعُ من تسرب انتشار الفوضى بين ذكور العائلة الواحدة وإناثها، قررت أن أعرض أهمَّ المبادئ والحقائق التي قد تُعيدُ إلى المجتمع تراحميته، وتزيل عنه وَصْمةَ العار التي أراد دعاة المساواة إلصاقَها بجبين كل أنثى يعتبرونها قنطرة للوصول إلى مكاسبهم المادية.

و آيات المواريث قطعية الدلالة؛ فقد بينها الشارع سبحانه بيانا محددا ومضبوطا لا يقبل الاحتمالَ ولا التأويل، وهو ما يدخل ضمن ما يُسمَّى: “المقدرات”، فمسائل الإرث والحدود والكفارات والجنايات أمور مُتَّسمةٌ بالثبات والقطعيَّة والتقدير المُحْكم، والاجتهاد فيها تحريف وتزوير لشرع الله؛ ولذلك جاء هذا المقال ردا على من يعتقد بجواز الاجتهاد في آيات قدَّر فيها الشارع سبحانه الفروض تقديرا محكما.

 

المبادئ الأولية المُؤسِسة لعلم الإرث

 

1- الله تعالى عادل، والظلم في حقه تعالى مستحيل: عدل الله تعالى يتجلى في إعطائه كل ذي حق حقه، فهو سبحانه جعل لكل مخلوق في هذا الكون حقوقا، لا يحق لأحد من الناس أن يسلبها، وبالتالي مَن سولت له نفسه أن يبدل نظام العادل قد ينطبق عليه بالذات وصف الظالم.

2- الميراث تقسيم إلهي بعيد عن الأهواء البشرية: الهوى آفة النفس البشرية، ومعناه: ميل النفس إلى ما يلائمها، والنفس البشرية كالدابة إن لم يركبها صاحبها رَكِبتْه؛ فقد تميل بصاحبها إلى ما فيه صلاحها وفساد غيرها، والعبد مأمور بأن يعلم أن ما أنزله الله بعيد عن الهوى، سبيل إلى العدل؛ قال تعالى: ﴿ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ [النساء: 135].

3- المال مصدر أغلب الخصومات؛ لذلك تكلف الله بتقسيمه: لم يُفصّل القرآن حكما من الأحكام الشرعية أكثر مما فصَّل الميراث؛ وفي ذلك إشارة إلى كون هذه الأحكام لا يمكن إناطتُها بالبشر، ولو أُنِيطَ تقسيمها بالبشر، لكانت سبيلًا إلى انتشار الفوضى.

4- آيات المواريث قطعيَّة الدَّلالة، والاجتهاد فيها ممنوع: ومعنى ذلك أن أحكام المواريث ثابتةٌ لا تتغيَّر بتغيُّر الزمان أو المكان، ولا يجوز الاختلاف فيها، ولا تخضع في ثبوتِها ونفيها لاجتهاد المجتهدين.

5- الإرث نظامٌ متكامل أشبه ما يكون بالعقد المترابط: تغيير جزئيَّة بسيطة من علم الإرث سيخلق فراغًا نظريًّا ومعرفيًّا في مسألة التقسيم.

6- الذكورة والأنوثة ليست معيارا في تقسيم الإرث: فالميراث يُقسَّم حسب تحديد الشرع بدون التفات لأي اعتبارات أخرى؛ ذلك لأنه لا يمكن استقصاء الاعتبارات التي اعتبرها الشارع لتقسيم الميراث، وأي اعتبار صدر من عند غيره سبحانه وتعالى أو لم يُخبرنا به نبيُّه صلى الله عليه وسلم، يبقى قابلا للأخذ والرد؛ فهو سبحانه أعلم بمقصوده، والعبد مأمور بالتزام الأوامر دون تقييد التزامه بضرورة معرفة الحكمة والعلة.

7- المرأة مسلوبة الحقوق في الجاهلية: كانت المرأةُ في الجاهلية محرومةً من إرثها، إذ كان الذكرُ هو الوارثَ الوحيد، وإذا انعدم الذكورُ ذهب الميراث إلى الأعمام، وكان أهل الجاهلية لا يعدُّون للنساء أمرًا حتى قسم الله لهن ما قسم، وقد قُتِل الصحابي سعدُ بنُ الربيع وخلَّف بنتين، فجاء عمُّهما واستولى‏ على‏ ميراثهما، ولم يترك لهما شيئًا، فجاءت أمُّهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شاكية، فاستمهلها إذ لم يكن مسبوقًا بشيء في ذلك، فعندئذٍ نزلت آية المواريث، وكان أهل الجاهلية يقولون: لا يُعطَى إلا من قاتَل على ظهور الخيل، وطاعَن بالرمح، وضارَب بالسيف، وحاز الغنيمة.

8- الذكرُ يَرِثُ على جانب من المخاطرة على عكس الأنثى: الذكرُ يَرِثُ في غالب الأحيان بالتعصيب، وهو ما يجعلُه دائمًا يعيش على جانب من المخاطرة، ومعنى هذا أنه قد يأخذ الباقي إن بقي شيء، وإلا انسحب، على عكس الأنثى التي تَرِثُ في أغلب الحالات بالفرض مراعاة لحالتهن، ودفعًا لاحتمال عدم بقاء نصيبٍ لهن بعد أخذ أهل الفروض فروضَهم، كما أن حَجْب الإسقاط يلحق جميع الذكور سوى الأب والابن والزوج، على عكس الإناث.

9- نصف التركة من أكثر الأنصبة، وهو لأربع نسوة، ولذكر واحد: النصف شرع لذكر واحد فقط؛ وهو الزوج في حالة انعدام الفرع الوارث، لكنه حقٌّ لأربع نسوة.

10- الأنثى قد تستفيد أكثر من مرة: الأنثى قد تستفيد مرتين أو أكثر على حسب حالتِها، فقد تكون أختًا وبنتًا وزوجة في نفس الوقت، فتَرِثُ من زوجها باعتبارها زوجةً، ومن أخيها باعتبارها أختًا، ومن أبيها باعتبارها بنتًا.

إن هذه المبادئ خطوة لبيان مدى بطلان دعوى دعاة المساواة الذين لم يتنسموا ريح دراسة شرع الله سبحانه، والذين طغى عليهم الجهل بهذه الحقائق والمبادئ.

فما على هؤلاء سوى البحث والتقصي قبل القدح والنقد إن كانوا لا يعرفون؛ لأن نصفَ المعرفة أو ثلثها أشدُّ خطرًا من الجهل بحقيقة الشيء لأن شفاء العييّ السؤال.

د. محمد بن علي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق