ثقافة

الموروث الثقافي بين الإبداع والإملاق

بين مجهودات وشعارات شكلية وواقع متراجع

يلقى الموروث الثقافي في بلادنا اهتماما كبيرا وواضحا من خلال الشعارات الجديدة والمراسيم المستجدة والاحتفالات المواصلة التي تكرس الثقافة الأمازيغية والتراث الأصيل وإحياء الموروث الثقافي والحفاظ عليه، خاصة ذلك المتعلق بالحرف التي صارت تشكل صناعة هامة لها انعكاساتها على قطاع الاقتصاد من جهة وكذا السياحة والتجارة من جهة أخرى، لتظل وفي عديد ولايات الوطن تلك الحرف مقيدة بسبب العقليات القديمة في التسيير وتراجع فكر الاهتمام بهذه الحرف من جهة أخرى بسبب ربطها بالواقع المعيشي الذي بات يرهن مدى نجاح الحرفة وتطورها وتطويرها بشكل واضح وملحوظ الأمر الذي يستدعي إعادة النظر في كل تلك الشعارات التي لم تطبق جميعها على ارض الواقع.

فبين الواقع والوقائع كثيرا ما تظل نداءات وصرخات حرفيين من قلب الجزائر العميقة وخاصة في الولايات الداخلية والشرقية بالاهتمام مرفوعة بلا حلول جذرية، تلقى ترقيعات شكلية أشبه بمنحة الكوفيد التي لا تعبر إلا عن المعاناة الفعلية التي تعاني منها فئة الحرفيين، الذين يظلون بلا رواتب ولا مداخيل يترقبون معارض ومناسبات ليعرضوا منتجاتهم فترة من الزمن تحصر أرباحهم خلالها، ليكشف الكوفيد وبعد شله لكل تلك المعارض والمناسبات أن الحرفي في بلادنا “ليس بخير” فكيف يمكنه أن يطور ويقدم المزيد من الصناعات التقليدية التي نعلم جميعا أنها تحتاج إلى مجهودات جبارة وإمكانات قليلة ومواد ضئيلة وهو يعاني الفقر الذي بلغ حد “الإملاق”.

فقد أكدت صرخات بعض حرفيات بلدية بابار جنوب ولاية خنشلة على سبيل المثال لا الحصر أن الحرفي لا يملك قوت يومه ولا يعيش حياة مستقرة وفي نفس الوقت هو مطالب بالحفاظ على الموروث الثقافي الذي ورثه عن أجداده، وعلى أنامله أن تجود بالمزيد من الإنتاج الذي سيجعل اقتصاده أكثر ازدهارا ورقيا وسيطور من واقع السياحة، وكلها مصطلحات لن يفهمها من تغلغل الجوع إلى بطنه وتوغل الاحتياج في عقر داره ليسطر على فكره، فتجده يبحث عن مشتر لقطعه الفنية وقد يضطر لبيعها بأزهد الأثمان رغم انه الخاسر الأكبر في المعادلة لكن الاحتياج “جاء” أثقل من كل تلك الأفكار الميتافيزيقية التي تتغنى بها السلطات المعنية.

فالحرفي الذي يعيش على هامش الحياة بلا مأوى ولا راتب ولا حتى وظيفة قارة تحفظ ماء وجهه، لن يعترف اليوم بتلك السياسات الرامية إلى تحسين وضع السياحة المحلية وحمل خذا الإنتاج التقليدي الثقيل إلى الخارج على أكتاف متعبة وبالية تمكن منها الإملاق فعلا، مادام وضعه المعيشي صعبا فلن يفكر غير بلقمة عيشة وهو يحمل في قلبه أحقاد على الحكومة التي رفعت شعارات بتعزيز مكانته ولم تطبق على ارض واقع كثرت فيه البيروقراطية واستفحل “تعفن التسيير والتطبيق” وقضى على حقوق الكثيرين فزاد الثري وصاحب الجاه ثراء وانقص من قيمة الفقير وتسبب في تدهور معيشته أكثر أكثر.

نوارة. ب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق