العمود

النضال الافتراضي

بكل وضوح

من الجميل أن تشهد الساحة الثقافية في الجزائر حراكا في إطار النضال من أجل إحياء الهوية الأمازيغية وترسيخ مقوماتها، ومن الجيد أن يعي الشباب في أغلب مناطق الوطن مدى أهمية النضال من أجل ألا تندثر العادات والتقاليد التي جعلت الثقافة الجزائرية شبيهة بكونها فسيفساء تراثية امتزجت فيها الحضارات والأفكار واللغات بلهجاتها، لكن ما نراه مؤخرا هو أن النضال في كثير من القضايا أصبح افتراضيا أكثر من كونه واقعيا، حيث أن الكثير من الشباب بات ما يفعلونه في إطار ما يسمى بإحياء مختلف المناسبات مجرد أمرا شبيه بإعادة ترتيب “فضاء” أو ساحة لتصوير فيلم وثائقي، أي أن كل التحضيرات وكل ما يقوم به بعض الشباب “المناضلين” ما هي إلا مجرد ترتيبات من أجل “التصوير” وليست الغاية منها سوى أن يسوقوا عبر المواقع لما يقومون به من نشاطات تختلف من موسم لآخر ومن مناسبة لأخرى وكل ذلك من أجل كسب الشهرة تارة ومن أجل بلوغ غايات تصب فيما يسمى بالحملة المسبقة لمواعيد سياسية لاحقة.
لعل من بين ما يثبت أن ما يقوم به الكثير من الشباب ما هي إلا ترتيبات من أجل التصوير لا غير هو ما حدث في وقت مضى عندما همت جمعيات نسقت فيما بينها لإحياء إحدى المناسبات، وبمجرد أن انتهى الحفل وبمجرد أن غادر الضيوف حتى تملص كل ممثلي الجمعيات المشاركة من المسؤولية تاركين الساحة المحتفى فيها كما هي ولم يرغب أي منهم في أن يتحمل مسؤولية ما قام به حتى عندما تعلق الأمر بدفع المال المتفق على دفعه لبعض الفنانين الذين تم الاتفاق معهم لإحياء المناسبة، ولعل هذا الأمر هو ما يجبرنا على أن نعتبر بعض الممارسات هنا وهناك في إطار ما يسمى بالنضال من أجل القضية الأمازيغية ما هو إلا نضال افتراضي، أي أن الغاية منه افتراضية أكثر من كونها إعادة الروح للهوية الأمازيغية، خاصة وأن أغلب من يناضلون ضمن هذا الإطار غير ملمين أصلا بكثير من فصول التاريخ الجزائري ولا يمكنهم تقديم الجديد للأمازيغية سوى “الشطيح والرديح” وبعض الصور ومقاطع الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، فمتى سيصبح النضال بناء هادفا خاليا من “الرقص والغناء” وتلك الممارسات الروتينية التي صور الكثير من الشباب أن الهوية الأمازيغية ترتكز عليها أكثر من ارتكازها على الأفكار ومقومات الحضارة التي يمتد عمرها إلى أكثر من 2700 عام؟

عبد العالي بلحاج

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق