إسلاميات

النفس المطمئنة بالعبادات والطاعات بين التأثير والتأثر

قال تعالى: ﴿ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ سورة لقمان الآية 17

إذا كان للإيمان الأثر الأكبر في سلوك المسلم وأخلاقه، وفي تذكره مراقبة الله له، وتذكره الآخرة، فهو يعتبر الوسيلة الأولى أيضا في تزكية النفس، وتأتي بعد الإيمان بالله أنواع العبادات في تزكية النفس، وفي تذكره مراقبة الله له، فهي وسائل مساعدة، فقد فرضها الله لتذكر المسلم في كل حين بارتباطه بالله، طاعة ورغبة ورهبة، وأنه بحاجة إلى هذه الصلة في سرَّائه وضرَّائه، وأول هذه العبادات الصلاة، فهي من وسائل التزكية الكثيرة، والتي تعتمد في قبولها عند الله على توحيد الألوهية والربوبية، وتعتمد في صحتها على ما جاء بوحي من الله على نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم- وهو الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، فالعبادات والطاعات وسائل لتزكية النفس، وسنذكر في هذه المقالة ثلاثًا من العبادات المفروضة، وثلاثا من الطاعات:

الصلاة: فالصلاة بسجودها وركوعها وأذكارها تطهر النفس من التكبر على الله، وتذكر النفس بالاستقامة على أمره، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾ [العنكبوت: 45]، فهي وسيلة من وسائل التزكية.

وقد جاء أمر الدعوة والإصلاح مقرونا بالأمر بالصلاة، في غيرِ ما آية من القرآن الكريم؛ وذلك على نحو ما في وصية لقمان الحكيم لابنه، في حكاية الله عنه من قوله تعالى: ﴿ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ [لقمان: 17]، وقال – جل جلاله – في وصف جميل لمؤمني أهل الكتاب، تناسق فيه جمال تلاوة القرآن قياما بالليل، مع جمال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمسارعة في الخيرات: ﴿ لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: 113 – 115].

وإن الصلاة تنهى صاحبها وممتثلها عن الفحشاء والمنكر؛ وذلك لما فيها من تلاوة القرآن المشتمل على الموعظة والذكر، والصلاة تشغل المصلي عن كثير من أمور الدنيا، فإذا خشع فيها وأخبت لربه، وتذكر أنه واقف بين يديه، وأنه مطَّلعٌ عليه ويراه، صلحت لذلك نفسُه، وبقي على ذكر الله تعالى حتى تظله صلاة أخرى يرجع منها إلى أفضل حالة من الإيمان واليقين بالله، فهذا معنى: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾ [العنكبوت: 45]، وإلا فلا قيمة للصلاة، وقد لا تكون مقبولة إذا كانت مجرَّدة من الخشوع لله، ولم تؤدِّ الهدف من قيامها.

الصوم: وفيه تعويد للنفس على ضبط شهوتَي البطن والفرج، فهو وسيلة من وسائل التزكية، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 183].

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قال الله: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي، وأنا أجزي به، والصيام جُنَّة، وإذا كان يومُ صومِ أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابَّه أحد أو قاتله، فليقل: إني امرؤ صائم))؛ رواه البخاري ومسلم.

وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 183]، وإن الصوم فريضة قديمة على المؤمنين بالله في كل دين، وإن الغاية الأولى منها هي إعداد قلوبهم للتقوى والشفافية والحساسية والخشية من الله؛ ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾، وهكذا تبرز الغاية الكبيرة من الصوم، إنها التقوى، فالتقوى هي التي تستيقظ في القلوب وهي تؤدي هذه الفريضة طاعة لله، وإيثارا لرضاه.

والتقوى هي التي تحرس هذه القلوب من أي إفساد للصوم بالمعصية، فإذا كان المسلم يمتنع عن الطعام والشراب والجماع وهو في بيته، ولن يعرف عنه أحد ماذا عمل، فأولى به أن يذكر الله في كل حين في رمضان وغير رمضان، وفي جميع تعاملاته مع الناس.

الزكاة والإنفاق: وهما يطهران النفس من البخل والشح، ويعرفان الإنسان أن المالك الحقيقي للأشياء هو الله؛ ولذلك كانتا وسيلتينِ من وسائل التزكية، فالزكاة فرض واجب، والإنفاق تطوع، قال -تعالى-: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [التوبة: 103]، ﴿ الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى ﴾ [الليل: 18].

تلاوة القرآن: تلاوة القرآن تذكِّر النفس بكل الكمالات، فهي وسيلة من وسائل تزكية النفس، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ [الأنفال: 2]، وتلاوة القرآن مهذِّبة للنفس من جوانب شتى، فهي تُعرِّف الإنسان على المطلوب منه، وتثير عنده كل المعاني المرادة من تزكية النفس، وتلاوةُ القرآن تنوِّر القلب وتذكِّره، فهي تكمِّل عمل الصلاة والزكاة والصوم والحج، في التحقق بمقام العبودية لله – عز وجل – وتلاوة القرآن تقتضي إحكاما لأحكام التجويد، والتزاما يوميا بورد من القرآن، وإنما يفعل القرآن فعله إذا رافقت تلاوته آداب الباطن في التأمل والخشوع والتدبر، وآداب الظاهر بتنفيذ أوامره والانتهاء بنواهيه.

الأذكار: وهي من وسائل التزكية؛ فهي التي تعمق الإيمان والتوحيد في القلب، قال تعالى: ﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [الرعد: 28]، وبذلك تصل النفس إلى أعلى درجات التزكية قال تعالى: ﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ﴾ [الفجر: 27، 28]، ومن أهم كتب الأذكار كتاب “الأذكار” و”رياض الصالحين”؛ وكلاهما للنووي، وغيرها من الكتب، والقرآن ذكر، ودراسة السنة ذكر، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والتسبيح والاستغفار كلها ذكر.

تذكر الموت: فمهما شردت النفس عن باب الله، أو تكبرت وتجبرت أو غفلت، فإن ذكر الموت يرجعها إلى عبوديتها، ويعرِّفها أنها مقهورة، قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ ﴾ [الأنعام: 61]، لذلك كان تذكر الموت من وسائل التزكية.

أحمد مجاهد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق