إسلاميات

النموذج القرآني في التقريب بين الأجيال والتربية الصالحة

قال الله تعالى: } وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ { سورة البقرة الآية 127

قد يسأل سائل.. هل اهتم القرآن الكريم بمشكلة الفجوة بين الأجيال؟ وهل أكد على تضامن الأجيال؟ إن النظرة السريعة في القرآن الكريم ربما لا تكشف للبعض عن عناية التنزيل بهذا الموضوع ولكن المتأمل في القرآن الكريم يجد أن هذا الموضوع قد نال من التنزيل عناية فائقة، ليس عن طريق توجيهات مباشرة، وإنما عبر نماذج تمثل قمة التقارب بين الأجيال، لتكون بمثابة معالم في الطريق.

فهذا إبراهيم يبني بيت الله الأول ويرفع قواعده، ليس معه أحد يشاركه في هذا المشروع التاريخي العظيم إلا ابنه إسماعيل إنه مشهد رائع جدا في تقارب جيلين، جيل الشيوخ وجيل الشباب وتعاضدهما، حيث يشترك الجيلان في تنفيذ مشروع واحد ” وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ” [البقرة: 127 – 129] والمتأمل في المشهد يرى عجبا، شيخ كبير وشاب جديد والاشتراك في النشاط الجسدي من مناولة الأحجار وتشييد البناء يصاحبه الاشتراك في المشاعر والأمنيات والرؤى المستقبلية فكلاهما يردد دعاء واحدا معبرا عن أحاسيس ومشاعر مشتركة وأمنيات متوافقة ورؤية موحدة تماما وهل هناك تقارب أكثر من أن تتفق الأجيال على تخطيط وتنفيذ المشروع الحاضر وتحضير الرؤية المستقبلية؟.
ونلاحظ أنه في المشاركة الأولى الوقتية كان الدور الأساسي لإبراهيم ، وابنه كان مساعدا له، فكان فصل بليغ في الكلام، ” وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ” وأما في المشاركة التالية الدائمة فالدور الأساسي يشترك فيه الاثنان بالتساوي، فذكرا من غير فصل، “وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ”.
وإذا كان المشهد السابق يصور الاشتراك في النشاط الجسدي، فإن مشهدا آخر يقدم نموذجا رائعا في الاشتراك في النشاط العقلي، فهذا داود يبحث في قضية خصام ليجد حلا يحقق العدل ويرضي الإله والذي يرافقه في عملية البحث والنظر هو ابنه سليمان “وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ” [الأنبياء: 78، 79] ولم يكن صغر سن سليمان مانعا من حضوره مجلس الحكم، بل مشاركته في لجنة الحكم، ولم يكن صغر سنه مانعا من استماع الأب لرأيه وقبوله حين ظهر صوابه.
وهذا الابن يوسف رأى رؤيا فأسرع إلى أبيه ليكون أبوه أول من يعلم بخبر ما رآه في حلمه ” إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ” [يوسف: 4] والأب الحنون الحكيم يجيد الاستماع لابنه، فاستمع وتضامن وقدم ما لديه من النصح لتتحقق رؤيا ابنه بسلام.
وإذا كان التقارب بين الأجيال يتطلب عناية واهتماما فإنه ينبغي أن يبدأ اهتمام الجيل الكبير بالجيل الصغير في وقت مبكر جدا وأروع مثال على ذلك أم مريم ، فقد نذرت الولد لربها قبل أن تلد، وظلت تعيذ ابنتها بل وذريتها معا بالله من الشيطان الرجيم على رغم أن ابنتها وليدة ساعة ” إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ” [آل عمران: 35 – 37] وهذا نموذج جميل للتقارب بين الأجيال حيث امتد الاهتمام والإعداد إلى أجيال متعاقبة وليس الجيل الحاضر فقط.
والتقارب بين الأجيال يتحقق في أكمل صورة عندما يتم وبكل جدية وإتقان توريث الأمانة الكبرى وهي أمانة الإسلام، عقيدة وسلوكا وفكرا ومنهجا توريث من قبل جيل المغادرين إلى جيل القادمين، لتظل مصابيح الإيمان تنير الدروب عبر الأجيال والأزمان، ونموذج رائع في ذلك وصية إبراهيم لبنيه، ثم وصية يعقوب لبنيه ” وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ” [البقرة: 133] إن الفجوة بين الأجيال مشكلة قديمة، ولكنها تفاقمت كثيرا وتجاوزت مرحلة الخطورة في الواقع الراهن، حيث إن الفجوة الآن تبدو آثارها في سن مبكر جدا مقارنة بما كان الأمر عليه في الزمن الماضي القريب، وتتسع بسرعة غير مسبوقة.
إن الجيل الناشئ إلى زمن قريب كان ينشأ تحت تأثير البيت أو البيئة القريبة لفترة غير قصيرة من عمره قد تمتد إلى عقدين أو ثلاثة عقود، أما الآن فإن وسائل الإعلام والتعليم والترفيه تجعل الطفل يتأثر من البيئة البعيدة في سن مبكر جدا.
وعلى أية حال، فقد غدا من اللازم جدا أن تشيد جسور قوية و تقام روابط وثيقة بين الناشئين والكبار لكي يمكن توريثهم الأسس والمعايير و العقائد والقيم التي توجه فكرهم وسلوكياتهم، وينبغي أن تكون مبادرة إقامة الجسور هذه من قبل كبار السن.. فعليهم أن يقتربوا من الجيل الجديد بأساليب حكيمة بدلا من التشكي منهم لأن الفجوة بين الأجيال تشكل في الأصل عائقا لهم في سبيل أداء رسالتهم والقيام بواجبهم نحو توريث الأمانة التي ورثوها عن أسلافهم. إن إزالة ذلك العائق من واجب الكبار ليتم لهم أداء واجب التوريث بأكمل وجه والرجوع إلى النماذج القرآنية تساعدنا في رسم الطريق وبناء المنهج وإيجاد الحلول، والله ولي التوفيق.

د. محي الدين غازي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق