العمود

الواعي والوعاء

بكل وضوح

لا بأس أن أقتحم اليوم عالم النساء لأضع النقاط على الحروف فيما يخص “الوعي” الذي نسب إلى فئة كبيرة من الجزائريين ليس اعترافا لهم بذلك وليس حتى مجاملة وإنما من أجل تسهيل “قيادتهم” وتوجيههم، وفي هذا الصدد فإني وددت أن أعطي مثالا عن بعض الأكلات والأطعمة التي ما كانت لتلقى قبولا لدى الأجهزة الهضمية عند الكثير من الأشخاص لولا أن تم تحويلها إلى أكلات محبوبة بطريقة ذكية.
الكوسة، أو كما نسميها في لهجتنا الجزائرية “القرعة أو الجريوات”، هي إحدى الخضر التي لا يحبذها الأغلبية من الأشخاص وذلك لطعمها السيئ وملمسها اللزج في الفم، إلا أن ذلك لم يمنع من تحويلها في كثير من البلدان العربية إلى “أكلة” لذيذة، بعد أن وجدت طريقة لطبخها وهي أن يتم حشوها باللحم المفروم، وهكذا أصبحت الكوسة المحسوبة على الخضر أكلة محسوبة على الوجبات اللذيذة، نفس الشيء مع الباذنجان ونفس الشيء مع اليقطين ونفس الشيء أيضا مع البطاطا وغيرها.
الوعي الحقيقي في نظري هو الوعي الذي يبديه الشخص من تلقاء نفسه، والذي يبديه الشخص بطريقة فهمه للأمور وتفاعله مع الأخبار والمعلومات التي يتلقاها في محيطه والوعي كذلك هو استعمال العقل والتمييز بين الأمور المنطقية واللا منطقية، والأمور الصحيحة والخاطئة، والتمييز أيضا بين ما هو أقرب للواقع وما هو أقرب للوهم، أما الوعي الذي نسبه البعض لكثير من الجزائريين فلا أراه سوى أقرب لكونه وعاء، لأنه ليس نابعا من قناعات الأشخاص بل إن الأمر يتعلق بحشو للأفكار التي يروج لها على أنها تدخل ضمن الوعي، كأن يكون “خريج جامعي” مجرد شاب متحصل على شهادة “بعد الحضور إلى الجامعة لثلاث سنوات بالجسد لا بالعقل” ويتم حشو عقله بأنه من النخبة لأنه “طالب” ولأنه رافض للانتخابات، أو كأن يتم حشو فكرة أن “التحاف العلم والخروج للشارع” نوع من أنواع الوطنية والرجولة والشهامة، واختصارا لهذا كله، فأرى أن الشخص الواعي هو الشخص الموضوعي العصامي في فهم الأمور، أما من ينتظر رأي هذا وذاك في قضية ما من أجل أن يدلي برأيه فيها فهو مجرد وعاء لا قيمة له إلا بعد أن يتم ملؤه وحشوه، حاله كحال “كوسة محشي”.
عبد العالي بلحاج

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق