استطلاعات

الوضع الوبائي يلقي بظلاله على الدخول المدرسي

أساتذة أولياء وتلاميذ يتخبطون في بداية فوضوية تنتظر التأقلم

شهد الدخول المدرسي لهذه السنة، تأخرا كبيرا في إنطلاقه بعد أن عرف تذبذبا وترددا كبيرين في تحديد موعده، وذلك نتيجة أزمة إنتشارفيروس كوفيد-19 التي أثرت على مختلف مناحي الحياة، ولم يسلم منها القطاع التربوي التعليمي خاصة وأنه قطاع حساس، يظم بين كفتيه فئة حساسة ألا وهي الأطفال، الذين كان ولا يزال الخوف كبيرا عليهم من انتشار الفيروس في وسطهم أو إصابتهم بالعدوى أو تحولهم لناقل صامت لها.

ــــــــ رحمة مدور

 تخبط القطاع كثيرا وعرف عدة مشاورات وأطروحات لكيفية وتاريخ إنطلاقه، وطريقة التدريس مع حماية الجميع تلاميذا وأساتذة وإداريين وعاملين، كونهم يقضون فترات طويلة داخل أسوار المدارس، بضمان وفرض طرق إحترازية ووقائية تحفظ صحتهم وسلامتهم، أين تم أخيراإعتماد نظام التفويج في التدريس، بتقسيم تلاميذ القسم الواحد إلى فوجين يتم تدريس كل منهم على فترتين زمنيتين بنفس المنهج والدروس، وهو ما أحدث حالة من الفوضى وعدم الفهم في انتظار التأقلم مع الوضع والنظام المفروض.

أولياء متربصون

بعد مرور نحو أسبوعين من الدخول المدرسي، لا يزال الكثير من الأولياء “داخلين فالحيط”، مع النظام الجديد المفروض على أبنائهم، خاصة من حيث طريقة التفويج المطبقة، أين لا يزال الكثير منهم يخطئ في الفوج الخاص بدراسة إبنه بعد أن تقرر دراستهم يوما بيوم، في أغلب المدارس، في حين تم برمجة تدريس يوم السبت في المدارس التي تعمل بنظام الدوامين، ما أخلط حسابات الكثيرين، خاصة فئة الأميين غير المتعلمين الذين يصعب إستيعابهم للأمر، وكذا فئة الأولياء العاملين، أين يتوجب عليهم البحث عن طريقة وأماكن آمنة لتواجد أبنائهم في الأيام التي لا يدروسنها وما أكثرها في هذه الفترة مع النظام الجديد، فبين اللجوء إلى الأهل وخاصة الأجداد والبحث عن مربيات خاصات، يجول هؤلاء الأولياء إلى رحلة الصفا والمروة لضمان مأوى آمن لفلذات أكبادهم، وهو ما يستنزف جيوبهم بمصاريف كانوا في غنى عنها، وهو الأمر الذي أوجبعلى البعض الإعتماد على أنفسهم بنوع من التحايل في الجانب المهني والإلتزام به، بالتهرب من العمل قبل نهاية الدوام، ووضع عطل مرضية، بغض النظر عن التشديدات المفروضة في هذا الجانب من قبل الطرف الإداري في المؤسسات، ومصالح الضمان الاجتماعي، أو ترك الأطفال لوحدهم في المنازل، رغم خطورة الأمر، خاصة وأنهم في سن صغيرة لا تسمح بذلك، باعتبار أن تكوينهم الجسدي والشخصي لم يصقل بعد، ما يجعلهم “يكبروا قبل وقتهم”، ويتحمل مسؤولية نفسه قبل الأوان، رغم ما في ذلك من مخاطر منزلية وآفات نفسية وإجتماعية، وإن كان هؤلاء قد رضخوا للأمر الواقع ببعث أبنائهمللإلتحاق بمقاعد الدراسة، فإن البعض منهم لا يزال يراوغ ويمتنع عن ذلك بإبقاء أبنائه تحت سقف المنزل وفي أحضانه، خوفا عليهم من فايروس لعين يأبى التلاشي، ويفرض على الجميع ضرورة التأقلم معه والتعايش معه، مع أخذ الإحتياطات اللازمة لتفادي الإصابة به.

أساتذة يحاولون وآخرون “يتمحنون”

من جانب آخر، تباينت آراء الأساتذة حول الوضع الراهن، فيما اجتمع الجميع على غرابته نظرا للإجراءات والطرق المطبقة، أين أبرز فيه الكثير من المعلمين شروعهم في تطبيق نظام التفويج حرصا على سلامة التلاميذ، وضمان عدم الاكتظاظ في الأقسام وإحتكاكهم ببعض، حيث أبانت إحدى المعلمات بولاية باتنة ب. ر، بأنها لم تجد صعوبة كبيرة في التعامل مع التلاميذ كون الكثير منهم يأتون متشبعين معلوماتيا وعارفين بالوضع،إثر تكفل أهلهم بتوعيتهم، إلا أن ذلك لا ينطبق على الجميع، أين يجب أن توضيح الأمر للآخرين، لأنهم غير واعين وعارفين على عكس زملائهم، بل ويجب تكرار الأمر لهم وتجسيده مرارا حتى يترسخ لديهم، باعتباره سلاح الوقاية الرئيسي.

وفي الوقت الذي انطلقت فيه بعض المدارس في البرنامج الجديد الخاص بكل مستوى، بعد مرورهم على مرحلة التقويم التشخيصي الذي يعد نوعا من المراجعة العامة، للوقوف على مكتسبات التلميذ واستعداداته، ومكامن قوته وضعفه في شتى المواد، فإن معالم البرنامج السنوي لم تتضح لحد الساعة، في أغلب من المدارس التيلا تزال معالم التوزيع الأسبوعيوكذا المخططات السنوية بها مبهمةلحد الآن وفق ما ذكرت السيدة ز. م، حيث “يعتمد الأستاذ على نفسه وإمكانياته ومقوماته” وفق ما صرحت به ذات المتحدثة، و”يعوم وحدو” وسط هذا الضياع العام،فيما أكد أحد المعلمين الذي يدرس بنواحي ولاية بسكرة، أنه يتولى مهامه في ظروف عادية، دون أي تفويج لحد الساعة، لعدد تلاميذه القليل نوعا ما، وصعوبة تموضعهم بطريقة التفويج نظرا لطبيعة المنطقة والأوضاع الأسرية والإجتماعية لهم، ولا يزال يطبق المراجعة العامة لما تم تلقيه سابقا، في انتظار التعليمات الرئيسية عن الطريقة والبرنامج التدريسي وما سيتم الإستغناء عنه والإعتماد عليه منها.

واجبات مكثفة لملأ الفراغات الوقتية

وبالنسبة لما أطلقه الكثير من الأولياء من امتعاض لكثرة الواجبات المنزلية المقدمة للتلاميذ مع انطلاق الدراسة، دافع الكثير من الأساتذة ممن تم استطلاع آرائهم عن الأمر باعتباره أمرا عاديا، وأن ما يتم تقديمه للتلميذ في مستوى قدراته وإمكانياته وحتى لا يذهب يوم الراحة هباء وتضييعه في اللعب وحده، بل وجب تخصيصه للواجبات والفروض المنزلية حتى يبقى مرتبطا بجو الدراسة ونمط التعليم وحركيته، فيما أظهر البعض امتعاضهم من الأمر، إلا أنهم مجبرون على ذلك حتى يبقى التلميذ في جو التعلم وإشغال الوقت والفكر، أين يعمدون لتقديم بعضها مع تقديم نصائح لهم في تأديتها وحلها وفق ما يتحمله مستواهم بمساعدة أهاليهم، وتوزيع وقتهم بينها وبين اللعب والمطالعة وممارسة الرياضة، فيكفيهم ما عايشوه من راحة وتراخي منذ فرض الحجر الصحي وتوقيف الدارسة بشكل إجباري.

بروتوكول صحي بمجهود أغلبه فردي

وعن إجراءات الوقاية اللازم إتخاذها، أبدى الجميع محاولتهم وسعيهم الدائمين على التقيد بها وتطبيقها، تبعا لما هو متوفر، من قبل المدارس من معقمات ووسائل تنظيف، تطبيقا لتعليمات الوزارة، إلا أن ذلك لا ينطبق على جميع المدارس، أين يضطر الكثير من المعلمين إلى إقتنائها من حر مالهم، بالإضافة إلى السعي إلى تنظيم التلاميذ، مع ضمان التباعد فيما بينهم بإجلاس كل منهم لوحده والحرص على عدم استلاف الأدوات فيما بينهم لضمان عدم تداولها بين الأيدي، أما بالنسبة للكمامات الوقائية، فإن توفيرها يعتمد على الأولياء فيما تعمد بعض الإدارات على توفيرها لمن لم يأتوا بها، خاصة ممن تحصلوا عليها من قبل جمعيات ونشطاء المجتمع المدني، غير أن الأمر لا يشمل كل المدارس رغم ضرورته، فمن غير الممكن أن يتم إجبار بعض المناطق والأسر التي لا يمكنها سد رمق أفرادها إلا بعد جهد جهيد، على توفير كمامات ومعقمات لأبنائها، وهي لا تستطيع ضمان إقتناءالكتب أو الأدوات المدرسية لهم، أو مناطق الظل على كثرتها وكثرة نقائص ضروريات الحياة بها علىالإلتزام بالبروتوكول الصحي الذي يعد شيئا كماليا -على حسناته- لا يمكن بلوغه وتطبيقه بسهولة، حتى وإن تم ذلك، فإن الاستمرار فيه ومزاولته يبقى ضربا من الخيال.

انطلاقة خيالية ودراسة تراجيدية

بدت الانطلاقة الرسمية للموعد الدراسي موعدا خياليا، تضاربت خلاله الآراء، وأثارت نوعا من السخرية ليس على مواقع التواصل الاجتماعي فحسب بل على أرض الواقع كذلك، فبعد أن أعلن الوزير الأول عبد العزيز جراد عن افتتاح الدخول المدرسي من مدرسة “عبد الرحمن الأخضري” بمدينة باتنة في الـ 21 من أكتوبر المنصرم، والذي كان بشكل أسطوري وخيالي بعد الصور المتداولة عنه، نظرا للتنظيم والتباعد والتكميم للتلاميذ، وتطبيق التدريس بالألواح الإلكترونية بذات المدرسة، جاء تصريح الأستاذة سيديا مرابط التي قضت أكثر من 30 سنة في مهنة التعليم، إثر إفتتاح الدخول المدرسي بوهران من قبل والي الولاية عبر بوابة مدرسة الشهيد بن زرجب، التي وصفت الوضعية الكارثية للمدرسة والتي تكفل الأساتذة بتنظيفها وتعقيمها بأنفسهم، وكذا وضعية الوسائل المادية للمدرسة وعلى رأسها الطاولات التي وصفتها بأنها من “وقت الإستعمار” نظرا لاهترائها، ليقلب الطاولة على الوالي نفسه بعد أن “قلب وجهو” عليها، وعلى جميع المسؤولين الذين على تعاقبهم لم يولوا أهمية أو إلتفاتة لهذاالقطاع، والوضع الكارثي لأقسام المدارس عبر ربوع الوطن التي تعاقبت عليها أجيال من التلاميذ دون تحسن أو تغير ملموس للأحسن، إلا لحالات نادرة تعد على الأصابع، جعلت جل المتابعين يقفون مع الأستاذة ويساندونها وخروج الوزير الأول ليرد لها الإعتبار وللمعلمين من خلالها، بل عمد الكثير من المعلمين على اختلاف المناطق التي يُدرسون بها إلى نشر ومشاركة صور حية  لوضعية الطاولات بأقسام مدارسهم التي يدرسون بها، وهو ما فضح ما كان معروفا ومتستر عليه، وإن كان حال مدرسة في قلب مدينة بوهران عاصمة الغرب على هذا الحال، فما هو وضع بقية الطاولات والوسائل المادية بالمدارس الكائن مقرها في القرى والمداشر، وحتى الأحياء النائية، وكذا صور الدخول المدرسي بمدرسة عبد الرحمن الأخضري بمدينة باتنة التي جعلت الجميع يتساءل محتارا، إن كانت في نفس المدينة التي يقطنون بها أم أنها من بلد أوكوكب آخر يتشابه في الإسم فقط، دون المحتوى الذي يتقيأ تناقضات ومشاكل لا تنتهي.

وإن باتت عودة التلاميذ للمدارس أمرا ملحا، بعد دخولهم في عطلة طويلة دامت سبعة أشهر، في ظل الوضع الوبائي السائد،فإن الأمر يدعو إلى تجند الجميع إنطلاقا من الحارس فالأساتذة والأولياء والإداريين وصولا للمسؤولين، لضمان سلامة الجميع واستفادتهم من تعليم ودراسة آمنين، والتدخل السريع في الوقت المناسب عندإقتضاء الأمر، وهو ما حصل بتوقيف مديرية التربية للدراسة بابتدائية عمارة محمد شريف بولاية تبسة مؤخرا، إثر تسجيل إصابة مؤكدة بفيروس كورونا، لتجاوز هذه المرحلة الوبائية الإستثنائية التي تعيشها الجزائر على غرار بقية دول المعمورة بأمان وبأخف الأضرار، خاصة على المستوى الأرواح على طهارتها كونها تتعلق بأطفال اليوم وأجيال المستقبل.

رحمة .م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق