إسلاميات

اليقين بالله عز وجل مفهومه ومراتبه في القرآن الكريم

قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 24]، 

إن عماد تعريف (اليقين) هو: العِلْم المستودع في القلب، الذي يُعارِض اللَّبْسَ والتشكيك والرَّيب، وهو مِن الإيمان الجازم بمنزلة الرُّوح مِن الجسد، فقد أخرج الطبراني مِن طريق عبد الله بن مسعود، عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: “إِنَّ اللَّهَ تَعالى بِقِسْطِه وَعَدْلِه جَعَلَ الرَّوْحَ والْفَرحَ في الرِّضا وَالْيَقِين”.

وفي اليقين لابن أبي الدُّنيا من طِريق العلاء بن عُتْبة: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلَّم قال: “اللهمَّ إني أسألك إيمانًا تباشِر به قلْبي، ويَقينًا حتى أعلمَ أنه لا يمنعني رِزقًا قسمتَه لي، ورِضًا من المعيشة بما قسمتَ لي”.

 

مفهوم اليقين في القرآن الكريم

وردتْ مادة (يَقِنَ) في القرآن الكريم في عِشرين آية باشتقاقات مختلِفة، موزَّعة على أرْبعَ عشرةَ سورة.

وعند التأمُّل في هذه الآيات نجد أنَّ مفهوم (اليقين) يختلِف معناه باختلاف مَظانِّه داخلَ النسق القرآني، ويُمكن تصفيفُ هذه المعاني كالتالي:

1- اليقين: العِلم الجازم الذي لا يَقبل التشكيك؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة: 95]، وقال أيضًا: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الحاقة: 51].

فآيةُ الواقعة جاءتْ تذييلًا لجميع ما اشتملتْ عليه السورةُ مِن المعاني المثبتة مِن “عظيم صفاته، وبديع صُنْعه، وحِكْمته وعدله، وتبشيره النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأمَّتَه بمراتبَ مِن الشَّرَف والسلامة، على مقادير درجاتهم وإيمانهم الجازم، وبنِعْمة النجاة مما يَصير إليه المشرِكون مِن سوء العاقبة”.

وآية الحاقَّة: تحقيقٌ وتأكيد منه تعالى: أنَّ هذا القرآن الكريم هو الحقُّ اليقين، الذي لا شكَّ فيه أنَّه مِن عند الله، لم يتقوَّلْه محمد صلَّى الله عليه وسلَّم، بل هو ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحاقة: 43]، ليس بشِعْر ولا كَهَانة، و ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الحاقة: 48]، ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الحاقة: 50] المكذِّبين.

2- اليقين: الموت؛ قال سبحانه: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: 99].

يقول تعالى ذِكْرُه لنبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّم: واعبُدْ ربَّك حتى يأتيك الموت، وهكذا قال مجاهد، والحسن، وقتادة، وعبد الرحمن بن زَيْد بن أسلمَ، وغيرُه.

وفي الصحيح مِن حديثِ الزُّهريِّ، عن خارجةَ بن زَيْد بن ثابت: أنَّ أمَّ العلاء – امرأة ِمن الأنصار بايعتِ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم – أخبرتْه أنه اقتسم المهاجِرون قُرعة، فطار لنا عثمانُ بن مظْعون، فأنْزلْناه في أبياتنا، فوجع وجعَهُ الذي تُوفِّي فيه، فلمَّا تُوفي، وغُسِّل وكُفِّن في أثوابه، دخَل رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فقلتُ: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك: لقدْ أكرمكَ الله، فقال النبي صلَّى الله عليه وسلَّم: “وما يُدريكِ أنَّ الله قد أكرَمه؟” فقلتُ: بأبي أنتَ يا رسولَ الله، فمَن يُكرمه الله؟ فقال: “أمَّا هو فقد جاءَه اليقينُ، واللهِ إني لأرجو له الخيرَ”.

والدليل على أنَّ اليقين في الآية هو الموت: قوله تعالى إخبارًا عن أهْل النار أنَّهم قالوا: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر: 43 – 47].

 

3- مراتب اليقين

يقول الله تعالى في مُحكَم تنزيله: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: 1 – 8].

هذه السُّورةُ تحدَّثتْ عن انشغال الناس بمُغرِيات الحياة وسفاسِفِها، وتَكالُبِهم على جمْع حُطام الدنيا ومغرياتها، “فيقول تعالى موبِّخًا إيَّاهم عن اشتغالهم عما خُلِقوا له مِن عبادته وحْدَه لا شريكَ له، ومعرفته، والإنابة إليه، وتقديم محبَّته على كلِّ شيء: ﴿أَلْهَاكُمُ﴾ عن ذلك المذكور ﴿التَّكَاثُرُ﴾ ولم يذْكر المتكاثَر به؛ ليشملَ ذلك كلَّ ما يَتكاثَر به المتكاثِرون، ويفتخر به المفتخِرون، مِن التكاثُر في الأموال والأولاد، والأنصار والجنود، والخدَم والجاه، وغير ذلك مما يُقصد منه مُكاثَرة كلِّ واحد للآخَر، وليس المقصود به الإخلاصَ لله تعالى.

فاستمرَّت غفلتكم ولهوتُكم ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾، فانْكشف لكم حينئذٍ الغِطاء، ولكن بعدَ ما تعذَّر عليكم استِئْنافه.

ودلَّ قوله: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ أنَّ البرزخ دارٌ مقصود منها النفوذ إلى الدار الباقية؛ لأنَّ الله سمَّاهم زائرين، ولم يُسمِّهم مُقيمين.

فدلَّ ذلك على البعْث والجزاء بالأعمال في دار باقية غير فانية، ولهذا توعَّدهم بقوله: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾؛ أي: لو تعلمون ما أمامَكم عِلمًا يصِل إلى القلوب، لَمَا ألهاكم التكاثُر، ولبادرتم إلى الأعمال الصالحة، ولكن عدم العِلْم الحقيقي، صيَّركم إلى ما ترون.

﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾؛ أي: لتردنَّ القيامة، فلترونَّ الجحيم التي أعدَّها الله للكافرين.

﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾؛ أي: رؤية بصرية، كما قال تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الكهف: 53].

﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ الذي تنعمْتُم به في دار الدنيا، هل قُمتُم بشُكْره، وأدَّيتم حقَّ الله فيه، ولم تَستَعينوا به على معاصِيه، فينعمكم نعيمًا أعْلى منه وأفضل؟

أم اغتررتم به، ولم تقوموا بشُكْره؟ بل ربَّما استَعَنتم به على معاصي الله، فيعاقبكم على ذلك”.

 

4- ما أعدَّه الله للموقنين في القرآن

خصَّ عزَّ وجلَّ المتقين بالانتفاع بالآيات والبراهين، فقال: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: 75].

وخصَّ أهل اليقين بالهُدى والفلاح، فقال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: 4، 5].

وإذا تزاوج الصبرُ باليقين وُلِدت بينهما الإمامةُ في الدِّين؛ قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 24]، يَهْدُون أتباعهم وأهل القَبول منهم بإِذْن الله لهم بذلك، وتقويته إيَّاهم عليه.

د. عبدالحكيم درقاوي

ــــــــــــــــــــــــــ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى تعطيل مانع الإعلانات.