العمود

بأي حال عدت يا نوفمبر؟

أذكر أياما كان لنوفمبر فيها طعما، وكان للفاتح منه فيها جوا خاصا، فحتى عندما كانت العقول غير ناضجة، والمشاعر غير بالغة، والفكر غير واع، إلا أن نوفمبر كان يأتي ليكون بمثابة جرعة مؤقتة تنضج العقول وتنمي المشاعر وترفع درجة الوعي إلى أبعد مدى فنتيقن أننا في حضرة شهر مقدس حاله كحال رمضان وكانت ليلة الفاتح منه كليلة قدر كيف لا وهو شهر فتحت فيه أبواب عهد جديد، عهد الجهاد في سبيل جزائر حرة ومستقلة.
كنا صغارا، لكن كنا نترقب بشوق المجاهدين ساعة الصفر كي نستحضر بأنغام “الرصاص” ذكرى إطلاق أول رصاصة في جبال الأوراس الشامخات الشاهقات، وكنا صغارا لكن كنا نكبر ونشيب في لحظة ونحن نستحضر أمجاد الأحرار والأبرار ونستحضر مشاهد غابات الأوراس ينطق كل حجر فيها وكل شجر مناديا أن من جبالنا طلع صوت الأحرار، كنا صغارا وكنا نكبر في نوفمبر، فكبرنا اليوم وانقلبت الموازين وأصبحنا نصغر في نوفمبر.
أصبحنا نصغر لأن عقولنا نضجت، وأصبحنا نفهم أن نوفمبر لم يعد سوى مناسبة أو لنقل بمثابة كلمة “افتح يا سمسم” السحرية التي تستعمل عند الاقتراب من أية خزينة من خزائن مؤسسات الدولة للتبراح باسم الثورة وباسم الثوار وباسم نوفمبر الأحرار، أصبحنا نصغر لأن مشاعرنا شابت ونحن نرى الكثير من المسؤولين يلبسون “المشاعر الثورية” ككمامات على أفواههم في الفاتح من نوفمبر وينزعونها في اليوم الموالي أو بالأحرى بعد لحظات فقط من إلقاء خطاباتهم التي لا يتوانون عن استعمال “الثورة” فيها وهم في الحقيقة مثلما قال الفنان عثمان عريوات في فيلمه كرنفال في دشرة “دايرينها باش”، أصبحنا نصغر لأننا أصبحنا واعين بأن التاريخ لم يعد سوى مطية أو بساط سحري يستعمله بعض الساسة ليدعموا مكانتهم وينصبوا أنفسهم أوصياء على غيرهم باسمه، لهذا فلم نعد نشعر ونحن كبار كما كنا نشعر ونحن صغار، فقد كان نوفمبر ونحن صغار يلهمنا، أما ونحن كبار فقد أصبح نوفمبر يؤلمنا، فبأي حال عدت يا نوفمبر؟

حمزه لعريبي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق