ثقافة

باتنة المدينة التي تنتظر أن تستعيد حياتها الفنية تحت أنقاض مثقفيها

ارتبط اسم مدينة باتنة في أوج السبعينيات والثمانينات بكونها مدينة عامرة بالفن فيما يحض المسرح والموسيقى والأدب والفن التشكيلي وبؤرة لتلاقي عديد المهرجانات بداخلها، واحتفائها بضيوفها وكتابها الذين بزغوا كرسالات مفتوحة أمام العالم، وبروز عديد الفنانين والكتاب الذي شيدوا أسمائهم على مرأى الدهشة والإبداع الذي كان في أوج عطائه، هي ملامح مازالت ترتسم كثيرا في وجوه الذين أعلنوا خيباتهم لما آل إليه الفن في مراحل متطورة في وقتنا الحالي، ولعل أبرز القصص التي تُحكي على ألسنتهم تبين مدى روعة المشاهد التي أوصلت الولاية إلى العالمية فيما يخص الفن، والأمثلة كثيرة جدا لتبرز هذا الشغف الذي كان يحمله أصحاب الفن الذين غادروا الحياة ومنهم من ينتظر نحبه بعد أن تقاعدوا فنيا لظروفهم الصحية، لكنهم تركوا بصمات لا يمكن الاغفال عنها ابدا.

في لقائنا بأحد أعمدة الفن المسرحي شعيب بوزيد الذي روى أكثر من مرة كيف كان الركح بباتنة مدعاة للدهشة وكيف أن اللهجة الجزائرية بالنظر إلى كونها لهجة يصعب فهمها، إلا أن الممثلين استطاعوا أن يوصلوا رسائلها باحترافية، كما فعلت مسرحية “عالم البعوش” و”الملك هو الملك” و “عويشة والحراز”، وغيرها من المسرحيات التي دخلت سجل التاريخ العالمي، مضيفا أن الفن كان يُعطي عن حب وعن غيرة من أجل تحقيق النجاح رغم الامكانيات المحدودة والمعدومة، إلا أن الرغبة في مسايرة الركح جعلتهم يتوقون حبا للعمل على خلق الفن بطريقة ابداعية تصل رسائلها لكل العالم، منوها على ضرورة العودة للزمن الجميل من اجل الاقتفاء بأثرهم والعمل على زرع حب الفن وليس المادة فقط، فالجميع حسبه ممن تعاطوا الفن في وقتها كانت لهم رغبة شديدة في الاطلاع على كل شيء والاستماع الى تجارب الاخرين والأخذ منهم، وقد كان للمرحوم صالح مباركية بصمة خالدة جعلت من الكثيرين يتخرجون على يده فينا وأكاديميا.

من جهتها حمل الفن التشكيلي عديد البصمات الفنية التي جعلت من اللوحة الواحدة تحكي ألف صورة من الجماليات والصور التي بقيت لصيقة داخل الذاكرة الفنية، أسماء كثيرة حظيت بالتبجيل خاصة وأنها شيدت للفن الأوراسي ورسمت لمختلف المدارس الفنية وأسست لهذا الفن في المدينة، ولعل لقائنا بأحد رواد الفن التشكيلي بباتنة هوارة حسين الذي أكد في مناسبات عديدة أن سنة 1976 كانت بداية تأسيس الفن التشكيلي بباتنة إلى جانب معية من الفنانين على غرار محمد كريم وبركان مرزوقي وطمين عبد الرحمن وساحلي العياشي ورشيد موفق ومصطفى لكحل ومنوبي والنحات محمد دماغ والكثير منهم، والذين كانوا يعمدون على اقامة معارض فنية في مختلف المحافل المحلية حتى تستيقظ الولاية على الفن، غير أن ما يحز بداخلهم هم الآخرون تراجع  قيمته لدى الجمهور والقائمين عليها، حتى باتت لا تبرمج لهم معارض إلا نادرا، بل ولحد الساعة لم تحقق مطالبهم في وجود قاعة خاصة بالفن التشكيلي حتى يَحيون من جديد داخل مغارات الفن.

الكتاب كثيرون هم الذين مروا على الولاية وتركوا بصمتهم سواء ما تعلق بالذين راهنوا على الحديث عن التراث الأوراسي كالمرحوم صالح بزالة، أو الذين لا يزالون يكتبون عن المدينة بكل ما حفظتهم ذاكرتهم أمثال الأخوين سليم وعبد المالك سوهالي ومحمد مرداسي و ماسة خديجة ويماسان لوراس والكاتب المسرحي العربي بولينية والروائي السبتي معلم وفضلية فاروق والمفكر حمود بن ساعي والكاتب المؤلف الهاشمي سعيداني وغيرهم الكثيرون ممن لا نستطيع عدهم أو ادراجهم ضمن هذا المقال – وليغفر لنا الكثيرون ممن نعتز بهم إن أسقطنا سهوا أسمائهم، لكن الذاكرة التاريخية الأدبية لن تنسى فضائلهم وهو ما ينطبق على الأسماء التي ذكرها آنفا فيما يخص الفن المسرحي والتشكيلي-، يحدث ذلك في ظل التراكم المعرفي الثقيل الذي عرفته تلك الفترة من ملتقيات ثقافية أدبية وصالات لعرض أهم الاصدارات وتكريم النخبة المثقفة من الادباء والشعراء الذين لا  كانوا يحتفون بالجيد من المتن والشعر والقافية والكتابة القصصية كما الروائية، وهم الذين لا يزالون يبدون حزنهم العميق لقلة الملتقيات التي تحتضن الفكر، ولكون مثل هذه النشاطات التي تجمعهم أصبحت نسيا منسيا وفي ظل غياب النقاد وتراجع نسبة المقروئية وطفرت الطفيليات من الكتاب الوهمين الذي ظل حاجزا أمام تطور الفن الأدبي.

ولم يفتأ الفن الموسيقي الذي صدح عاليا من أن ينسي حقبا من الأصوات التي زخرت بها المنطقة للذين غنوا بالشاوية أو بالآلة والطابع الشاوي أمثال ماسينيسا وماركوندة والفنان عيسى براهيمي والفنانة ديهيا ولمرحوم كاتشو وهشام بومعراف والفنان بلبش، الذين لا تزال رائحة الفن الغنائي معلقة بهم، ولعل الأسماء لا تحضرنا الآن ولكن كانت أن بلغت أوجها من خلال الفن الجميل الذي حظيت به تلك السنوات، ومدى وعي مثقفيها بدورها في الحفاظ على التراث الأوراسي العتيق والوصول به إلى العالمية، إلا أن ظهور التكنولوجيا الحديثة والفن الهابط حال دون أن يعود الفن لزمنه الجميل، ورغم ذلك لا تزال حناجرهم تصدح لتدوي في أرجاء المعمورة رغم تناقص عدد متتبعيها.

يحدث ذلك في ظل تقاعس القائمين على الثقافية وكل الهياكل الثقافية متهمة في عدم إعطاء برنامج ثقافي حقيقي، تحت طائلة الاهمال التي مست الجمعيات والهياكل ودور الثقافة، وتحت رحمة الاحباط التي أصبح المشهد الثقافي يعانيه بداية من الميزانية المخصصة اذا ما تحدثنا عن الشق المادي، إلى جانب ظهور بعض الطفيليين الثقافيين في كل الجوانب الفنية والذين عاثوا في الفن فسادا، وإغلاق بعض القاعات السينمائية والمعاهد الفنية سابقا، إلى جانب أن الكل أصبح ممثل مسرحي وكاتب وشاعر وناقد وفنانا تشكيليا دون الخوض في المعايير التي تسمح له بتبني صفة فنان، في الحقيقة على الذين يستعيرون مثل هذه الألقاب أن يخجلوا مما يقدمونه من رداءة، إلى جانب عدم قدرة الهياكل الثقافية على انتاج أعمال فنية ونشاطات ثقافية حتى لا تنام المدينة ولا يهدأ الفن فيها بتاتا، وعلى الأرجح فكل اتصالاتنا باءت بخيبة أمل عندما نحمل سماعة الهاتف ويجيبك أحد مدراء الفن والثقافة بباتنة بأن البرنامج لم يضبط بعد، ولا يوجد أي نشاط لحد الساعة، الأمر أكثر من مهين عندما تنتظر المدينة أن يستعيد كل زقاق فيها حياته الفنية تحت أنظار مثقفيها الذين لا يزال البعض منهم يحارب نجاح الآخر، فمتى يتوحد الفن في الأوراس، ومتى تستفيق المدينة من غيبوبتها، نريد أن نرى فنا لا هياكل تسكنها أرواح من الهدوء، وغير ذلك فنحن ننتظر معجزة ما تعيد للفن بالمدينة رونقها الذي عهدته سابقا.

رقية لحمر

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق