أوراس نغ

باتنة…حكاية مدينة: الجالية اليهودية بباتنة

الباحث والكاتب سليم سوهالي

ربما لا يعرف التاريخ أمة صاغت تاريخها ودونته بيدها كما فعل اليهود، فقد أحاطوه بهالة من المقدسات والغيبيات وجعلوه يبدو وكأنه وحي من السماء، نافذ بإرادة الله، وإذا ما سلمنا جدلا بهذا التاريخ الأسطوري الذي دونوه نجد أنهم هم أنفسهم مختلفون ومتباينون في آرائهم، فقد جاء في أشعيا (19) الآية (18) أن النبي أشعيا على أيام السبي البابلي ينسبهم إلى كنعان ويسمى اللغة العبرية نفسها بلسان كنعان، بينما جاء في التوراة إصحاح 260 آية (5) على لسان موسى نفسه (كان أبي اراميا تائها)، وليس كنعانيا أو من اليهود، أما كنعان فلأنه ناصب اليهود العداء فقد حظي منهم بنسبه إلى حام بن نوح.

والمعروف أن اليهود يسمونه حام بأبي العبيد ويعتقدون أن حام لا يولد له من نسله إلا سود الوجوه أي الزنوج، وهذا التضارب في الآراء يؤكد لنا أن تاريخ اليهود في غالبه عبارة عن أساطير.

أما تسمية اليهود فهي تعريف حديث نسبيا، إذ أنه يرجع إلى عهد داود وسليمان وأبنائهما عندما نجحا في إقامة مملكة فلسطين حوالي سنة 1000 قبل الميلاد، ولما كانت الأسرة الحاكمة تنتمي إلى قبيلة من العبريين تدعى سبط (يهودا) فقد نسبوا إليها وأصبحوا يسمون اليهود.

ويعتقد اليهود أنهم شعب الله المختار الذين سينجون من عقاب الله يوم الحساب ويعتبرون باقي الشعوب أقل درجة منهم، ومن الناحية العقائدية فهم يؤمنون بربهم الذي يسمى عندهم (أدوناي- أللًهيم)، وتعتبر التوراة من أهم مقدساتهم يليها التلمود، كما أنهم يمارسون الزواج اللحمي (الزواج فيما بينهم) ويعيشون في غيتوهات مغلقة في غالب الأحيان، والمعروف أن الديانة اليهودية وصلت إلى شمال افريقيا مع الفنيقيين، وأقدم كنيس لهم بني بقرطاج، ولقد ظلت الجالية اليهودية تتوسع عبر الزمن وعاشوا بين أهل شمال افريقيا بسلام، وتمكنوا عبر العصور من الاستحواذ على التجارة، وكانوا يسيطرون على جل القوافل التجارية المنطلقة من قسنطينة والذاهبة إلى بلاد افريقيا، ومن أشهر التجار اليهود بوخريص وبوشناق واللذان تسببا في حادثة المروحة التي أدت إلى احتلال الجزائر كما هو معروف، فاليهود ظلوا متمركزين في المدن حتى جاء الاحتلال إلى بلادنا حيث تمكن الفرنسيون من استمالة يهود الجزائر إليهم، وقد تم ذلك بمساعدة يهود فرنسا الذين لعبوا دورا هاما في اصدار القانون الخاص بمنح يهود الجزائر الجنسية الفرنسية عام 1871، والمعروف بقانون كريميو، وتمكن اليهود بعد ذلك من فرض نفوذهم، ومارسوا ضغوطا على الجزائريين مستغلين أوضاعهم المزرية الناتجة عن السياسة الاستعمارية، حيث مارسوا أساليب جهنمية لابتزاز الأهالي عن طريق الربا والمضاربة، وهنالك تقارير فرنسية تشير إلى وضوح ذلك، وما يهمنا نحن في بحثنا المتواضع هذا هو ظهور اليهود بباتنة، فالمؤكد أنه بعد بناء مدينة باتنة قدم نفر من اليهود إليها وكان من بينهم عدد كبير من يهود “واد سوف” خاصة عائلة تويتو القوية وعائلة علوش “الوش” وحليمي ألياهو، حيث استقر البعض منهم بالقرية الأهلية الزمالة، وكان معظم هؤلاء من التجار حيث تمكنوا في فترة وجيزة من تنمية تجارتهم، ولقد لعبوا دورا هاما أثناء المجاعات التي ضربت المنطقة كما سبق وأشرنا وتزايد التوافد اليهودي إلى المدينة ومع مرور الوقت تحول هؤلاء إلى مجموعة قوية وذات نفوذ وكان لهم بباتنة كنيس يؤدون فيه طقوسهم الدينية وهو حاليا مقر لجمعية اقرأ.

ومن أشهر أحبارهم بباتنة: “شارل لالوش، روجي نكاو، قج”، ومن العائلات اليهودية نذكر:

عائلة تويتو: وكانت هذه العائلة مقيمة بحي الكون.

عائلة كاروبي: تمتعت هذه العائلة بالنفوذ والثراء حيث كانت ممتلكاتها كثيرة بالمدينة وخارجها.

عائلة شلبي: وكانت هذه العائلة مقيمة بالسكن المعروف بحوش أحمد يكن.

عائلة قج: ومنهم المحامي قج اسحاق الشهير في حينه.

عائلة اتياش، عائلة مالكي، عائلة حليمي، وعائلة جاكوب.

عائلة زمور: ومنهم زمور بولات الممرضة المعروفة.

عائلة أطلون: ومنهم براهم وفريحة ومسعود والباز يمونة.

عائلة شملة: وكانت هذه العائلة تمتلك شركة نقل المسافرين.

وهنالك أسماء يهودية كانت معروفة بالمدينة مثل الموثق اليهودي أيلي بن كمون، علوش اليهودي الذي مارس مهنة جزار مختص قي بيع الخنزير، كذلك السيدة كرما شيري والتي كانت تمتهن قابلة، بالاضافة إلى الطبيب المختص في طب العيون والمعروف عند أهل المدينة باسم “دارما” أو “دار مون”، ومن المعروف أيضا أن والد المغني اليهودي “ريمون” القسنطيني من يهود مدينة باتنة تزوج بفرنسية وقتل في الحرب العالمية الأولى، أما ابنه ريمون فقد  احتضنته عائلة يهودية بقسنطينة، وعاش وترعرع هنالك، كما ان اليهود كانوا يطلقون على أنفسهم أسماء مميزة بالنسبة للإناث نجد اسم يمونة وسارة والعكري وكلارا وحنة، أما بالنسبة للذكور فهنالك أسماء شائعة نذكر منهم القائم وبراهم وشيمون وإيليا كذلك مسعود وموشي.

ولقد قامت الجالية اليهودية بباتنة قبيل الاستقلال بشراء قطعة أرض مقابلة لمعبدهم لغرض بناء كنيس جديد، وشرع فعلا في بنائه ليتوقف بعد حين بسبب اندلاع ثورة التحرير، ويحكى أن التجار الجزائريين من أبناء باتنة لعبوا دورا هاما في شراء الأراضي التي كانت محاذية لمعبد اليهود، وذلك لوضع حد لتوسعاتهم الرامية إلى الاستيلاء على قطعة الأرض التي بنيت عليها مدرسة النشء الجدد. وقد تمكن الإخوة فاضلي من افشال خططهم، ولم تكن العلاقة طيبة بين الجزائريين من سكان المدينة واليهود، وذلك راجع لما اشتهروا من ابتزاز وربا وانحيازهم إلى الإدارة الاستعمارية.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق