أوراس نغ

باتنة…حكاية مدينة: باتنة عشية ثورة التحرير

الباحث والكاتب سليم سوهالي

تسللت الأحداث إلى غاية عام 1953 حيث صدرت الأوامر إلى مناضلي الحركة الوطنية لتحثهم على شراء السلاح وتخزينه، فانتشر رجال الحركة في سرية تامة وتمكنوا من شراء كميات معتبرة من الأسلحة التي كان أغلبها عبارة عن بقايا الاسلحة التي استعملت أثناء الحرب العالمية الثانية، ولم تمض فترة من الزمن حتى أمر مصطفى بن بولعيد مناضلي الحركة الوطنية بالمدينة وضواحيها بضرورة الانعزال عن الناس وتحاشي عيون السلطة الاستعمارية، وبعدها بعدة أيام قدم البطل مصطفى بن بولعيد إلى مدينة باتنة حيث التقى خفية بمجموعة من المناضلين وهم على التوالي: الحاج لخضر، حرسوس محمد، عمر العايب، بوشمال رشيد، عبد الصمد عبد الحفيظ، محمدي السعيد، ملاح المدعو علي النمر.

وقد تم اللقاء بعيدا عن العيون بحي المجزرة L’abattoir، وأثناء هذا اللقاء طلب مصطفى بن بولعيد من المجتمعين الالتحاق بأفواج الثوار، ولم تمض مدة عن ذلك اللقاء حتى انتقلت جماعة من المناضلين وعلى رأسهم المجاهد الحاج لخضر إلى ناحية أريس وبتبكوين وبالضبط في دار بولقواس، وخلال ثلاثة أيام اجتمع ما يقرب من 300 مناضل بذلك المكان، وتم تقسيمهم إلى أفواج، وفي قمة جيل خنقة امعاش وبمكان خال من الشجر تحلق الثوار في شكل دائري متماسك، حيث وقف الشهيد البطل مصطفى بن بولعيد رفقة شيحاني بشير ليلقي خطابا تاريخيا، معلنا من خلاله انطلاق ثورة التحرير المباركة، وبعدها تم تعيين الأفواج وأماكن العمليات، وكان الفوج المكلف بعملية باتنة تحت قيادة الحاج لخضر وعدد أعضائه 25 فردا، أما الفوج الثاني فقد كلف بمهاجمة سجن أميار وكان على رأسه المجاهد سي الطاهر نويشي.

وعل متن شاحنة اتجه الثوار إلى مدينة باتنة، وعند حلول الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل من صبيحة أول نوفمبر 1954 وصل الفوج إلى جسر عبد الصمد بطريق تازولت، وبعد وقت قصير تم الهجوم على الثكنة المركزية، وتمكنت تلك الحفنة الصغيرة من المجاهدين من كسر جدار الصمت والخوف، الذي ظل قائما لعشرات السنين، وانطلقت الرصاصة الأولى لتشق صمت السنين، معلنة نهاية ليل الاستعمار، فتردد صداها في أودية وشعاب الجزائر.

وفي صباح ذلك اليوم من شهر نوفمبر الخالد استيقظ أهل باتنة على وقع ذلك الخبر اليقين، فعمت الفرحة بيوتهم واكتست البسمة وجوههم، كيف لا ومدينتهم تشرفت باحتضان احدى أهم العمليات الأولى التي سيحتفظ بها التاريخ للأجيال الصاعدة.

أدركت السلطات الاستعمارية وفهمت أن الوضع قد تغير وأن زمن الذل والمهانة قد ولى إلى غير رجعة، لذلك بادرت إلى تكثيف نشاطها لفرض خنق الثورة في مهدها، فحولت منطقة الأوراس إلى ميدان لتجميع قواتها العسكرية، وبذلك تحولت مدينة باتنة إلى سجن كبير، بحيث أحيطت بالأسلاك الشائكة ووضعت متاريس بداخلها، وأصبح التنقل فيها صعبا على الجزائريين ولكن كل تلك المحاولات باءت بالفشل الذريع، فقد تمكن الفدائيون من ابنائها من تنفيذ عمليات جريئة دوخت السلطات الاستعمارية، ومازال أهل باتنة يذكرونها، لقد قدمت باتنة قائمة طويلة من الشهداء فداء للوطن والحرية، وطلت المدينة تعاني من مظالم الادارة الاستعمارية طيلة سنوات الثورة، وعانت الكثير من البؤس والجوع والفقر، ولم تتمكن فرق اليد الحمراء من تخويف سكانها ولم تثنهم عن عزمهم لنيل الحرية والاستقلال، وفي صباح 5 جويلية عام 1962 خرج أبناء باتنة مثل اخوانهم في كل المدن الجزائرية ليشاهدوا انسحاب وحدات الجيش الفرنسي، ذلك الجيش الذي جاء  يوما إلى هذا الوطن واغتصبه بقوة السلاح، ومن الجبال المجاورة نزلت فصائل ووحدات المجاهدين، وعلى أرصفة المدينة اصطف أهل المدينة كبارا وصغارا ليشاهدوا أبطال الجزائر وهم يدخلون إليها محررين حاملين العلم الوطني، وفي ساحاتها وشوارعها رفعت الرايات الوطنية، وبذلك رجعت الارض إلى اهلها، وتحقق حلم ماسينيسا القائل” افريقيا للافارقة”. وهاهم أحفاده يحققون ذلك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق