أوراس نغ

باتنة…حكاية مدينة: لمحة ثقافية حول مدينة باتنة

الباحث والكاتب سليم سوهالي

لا يمكننا التحدث عن الحياة الثقافية أثناء الفترة الاستعمارية دون العودة إلى جذور الصراع السياسي الذي خاضه أبناء الجزائر ضد القوانين والتشريعات الاستعمارية، فقد استمرت الادارة الفرنسية في ضرب الحصار حول أبناء الجزائر لإبقائهم بعيدا عن معرفة الواقع المر المفروض على البلاد، منذ أن وضع الاستدمار أقدامه على أرضهم.

فظهرت مجموعة من الجزائريين بداية من القرن العشرين لتدعو إلى اصلاح الاوضاع والاهتمام بالسكان، ويرجع ظهور هذه الفئة بصورة خاصة إلى سياسة فرنسا التعليمية بالجزائر، فمنذ البداية عمل أرباب السياسة والتربية الفرنسيين على عزل الجزائريين عن الثقافة الجزائرية الإسلامية، ومنحهم مشعل المقاومة السلمية ضد الاحتلال الفرنسي إلى جماعتين:

الأولى: تعرف بجماعة المحافظين Conservateurs

الثانية: جماعة النخبة L’élite

تتكون مجموعة المحافظين Conservateurs من بعض رجال الدين والمحافظين والمثقفين (خريجي المدارس القرآنية والمدارس الفرنسية العربية، وكذا جامعات الزيتونة والأزهر)، وقد قاد هذه الجماعة مجموعة من الشخصيات أهمها: عبد القادر المجاوي، سعيد بن زكري، عبد الحليم بن سماية، حمدان بن الونيسي ومولود بن موهوب.

أما جماعة النخبة L’élite أو المثقفون (المنافسة لجماعة المحافظين)، فقد كانت تضم الشبان المتخرجين من المدارس والجامعات الفرنسية، الذين أسسوا ما يعرف بحركة الشبان الجزائريين، وقد ظهرت هذه الحركة مع مطلع القرن العشرين، في حين كان النضج الفكري لدى الشبان قد تغير وتبلور مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية العقد الأول من القرن العشرين، بالإضافة إلى أن مطالب هذه الحركة الشبانية لم تبرز إلى الوجود بشكل حقيقي إلا مع بداية سنة 1990، وقد قاد الحركة مجموعة من الشبان منهم: أحمد بوضربة، بن بريهمات أحمد، الطيب مرسلي، محمد بن رحال، وكان لهؤلاء دور كبير وفعال في التعبير عن المطالب الاصلاحية للحركة الشبانية، والتي كان أهمها الحصول على مقاعد في البرلمان الفرنسي، والسماح لهم بالمشاركة في الانتخابات المحلية، الاعتراف بالشخصية الجزائرية، المساواة في دفع الضرائب وإلغاء قانون “أنديجينا” وكافة الاجراءات الاضطهادية، كما نجحوا في انشاء جريدة المشعل سنة 1940، لكن نشاط هذه الحركات تركز في المدن الكبرى فقط ولقد أدى تعيين “شارل جونار” على رأس الادارة الفرنسية إلى اعطاء دور ايجابي للسياسة الفرنسية ولو بالشيء القليل، حيث عين على رأس الولاية العامة للجزائر أول مرة سنة 1900، وكان هذا الرجل من الدعاة المؤمنين بأن سياسة الإدماج التي أتبعت تجاه الأهالي إلى حد الآن كان مآلها الفشل بسبب المقاومة الشديدة التي أظهروها حفاظا على مقوماتهم الوطنية الاسلامية، ويعتبر جونار الشخصية الفرنسية الوحيدة التي استطاعت حتى ذلك العهد أن تعطي لنفسها من السياسة المرنة المعروفة بتعاطفها مع الاتجاه الاسلامي في الجزائر، بعد ان برهنت ساسة البطش والقمع وطيلة سبعين سنة (1830/1900) على فشلها وعقمها، وعجزها على فتح قلوب الجزائريين، وان فتحت أراضيه، لذا انتهج جونار سياسة جدية اعتقد أنها سوف تحقق الأهداف الاستدمارية التي ترمي حكومة فرنسا على تحققها في هذه البلاد من بداية استيطانها، فعمل جونار على اتباع سياسة في الميدان الثقافي تنطلق من الاسس التالية:

1- التقرب من طبقة المثقفين وتشجيعهم على القيام بمهامهم القديمة كتقديم الدروس في المساجد.

2- تجديد برامج التعليم في المدارس العربية الاسلامية.

وهذا يدل على معاملة الجزائر معاملة حسنة لكونها مستعمرة من نوع حاص، وتركها تحتفظ بتقاليدها الخاصة، ودينها وقوانينها وشخصيتها، والجدير بالذكر أن تشجيع “جونار” للجانب الثقافي أدى إلى بروز حركة ثقافية نشيطة، وقد كان أول قرار يتخذه لتدعيم هذه السياسة هو تخصيص مبلغ خمسة عشر ألف فرنك أضافها الى المنح المقدمة لطلبة المدارس العربية والفرنسية التي تكون الاطارات في ميدان التعليم والقضاء، كما خصص عشرة الف لتشجيع التأليف وطبع المنشورات بالجزائر، ومما لا شك فيه أن هذه السياسة الفرنسية الثقافية قد ساعدت على بروز نخبة من المثقفين وظهور عدد من النوادي والجمعيات الثقافية وانتاج عدد من الكتب وظهور الصحافة العربية، لذا استفادت البلاد من الحركة غير المقصودة من طرف السلطات الاستدمارية، لكن كل هذه الأنشطة والحركات كانت كلها مركزة في المدن الكبرى، لذا بقيت باتنة بعيدة عن تلك التطورات في السنوات الأولى من القرن العشرين، فكان النشاط الديني الذي تقوم به هو النشاط الوحيد بالمنطقة ككل، فتلك الزوايا الدينية كانت تنشط قبل وجود المدينة، ومن أهم المراكز الدنية التي لعبت دورا هاما في نشر العلم والمعرفة لأجيال كاملة زاوية “سيدي بلقاسم بلقاضي” التي كانت تضم عدد كبيرا من طلاب العلوم الشرعية وحفظة القرآن، وكان أحمد بلقاضي يمول بعضا من طلاب العلم الذين كانوا يقرؤون القرآن بمسجد الزمالة العتيق، وذلك من أمواله الخاصة، بل لقد قام ببناء منزل خاص لمعلمهم “الطالب” وتولي تسديد راتبه الشهري”….يتبع

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق