أوراس نغ

باتنة عشية الحرب العالمية الثانية

باتنة... حكاية مدينة

لقد عاد الكثير من الجزائريين المهاجرين من فرنسا إلى أرض الوطن نتيجة إضطراب الأحوال، جراء الشلل الذي أصاب الحياة الإقتصادية في فرنسا، كما أن الأوضاع في الجزائر لم تكن أحسن طوال فترة الحرب، فقد كانت الأزمة الإقتصادية أكثر وضوحا، حيث قامت الإدارة الإستعمارية بعد نزول القوات الأمريكية بالسواحل الجزائرية بمصادرة مخزون القمح لغرض تمويل جيشها الذي سيقاتل إلى جانب الحلفاء، وذلك ما زاد في تعقيد الوضع، حيث عاش أبناء الجزائر في بؤس عظيم وذاقوا شتى أنواع الحرمان، ففي تلك السنوات لم يكن في استطاعة رب الأسرة توفير لقمة العيش لأطفاله، ولم يكن الوضع في مدينة باتنة وضواحيها يختلف عن باقي مناطق الوطن، فالجوع كان يعصر أهل الأوراس، فتشرد الكثير منهم وهاجروا قراهم نحو المدن بحثا عما يسد رمقهم، ولقد مات الكثير منهم جوعا ومرضا، وحسب رواية الشيوخ فإن الناس لجأوا إلى أكل البلوط والتالغودة، فلا لباس ولا أكل ولا مواد غذائية، وقد ازدهرت السوق السوداء وكثر المضاربون، لقد كانت أياما صعبة لا تزال محفورة في ذاكرة الذين عايشوها، ففي تلك الفترة تحولت مدينة باتنة إلى مدينة بائسة تعج شوارعها بالفقراء والمساكين، وسكانها يشيعون يوميا موتاهم إلى المقبرة، أغلب مدارسها تحولت إلى مستشفيات لاستقبال الجرحى من الجنود الذين كانوا يقاتلون جيوش الماريشال الألماني رومل في صحراء ليبيا ومن بينهم الكثير من المجندين الجزائريين، لكن ومع هذا كانت هناك فئة من الرجال الشرفاء الذين لم يستسلموا للأقدار، بل واصلوا أعمالهم ونضالهم من أجل توعية الناس ونشر أفكار الحركة الوطنية، وقد ظهر بباتنة رجال آمنوا بضرورة العمل لقلع جذور الاستعمار، وبذلوا جهدا كبيرا لنشر أفكار الحركة الوطنية، نذكر منهم المجاهد الحاج لخضر الذي كان قد عاد من فرنسا إلى أرض الوطن عام 1935 ونجح في تكوين خلية سرية بمدينة باتنة بلغ عدد أعضائها ما بين عشرة وخمسة عشر رجلا في البداية، لتصبح فيما بعد تتكون من أربعين مناضلا، وكان مقر هذه الخلية هو منزل مزيان الحلاوجي، وفي بعض الأحيان منزل المناضل إبراهيم العدوي، وبقيت هذه الخلية تعمل إلى غاية 1941 أين اتصل بها المناضل الشهيد مصطفى بن بولعيد وقدم لهم برنامجا جديدا هو عبارة عن توجيهات خاصة بكيفية جلب وتجنيد المناضلين وجمع التبرعات وبث الروح الوطنية ونشر الأفكار الوطنية بين الجماهير، لقد هيأت الظروف مدينة باتنة لأن تصبح مقصدا لكل المناضلين الشرفاء، وقد اخبرنا المجاهد الحاج لخضر رحمه الله في كتابه “قبسات” أن الشهيد البطل مصطفى بن بولعيد قد كلفه عام 1944 بمهمة استقبال المناضلين القادمين من شمال قسنطينة بمدينة باتنة وتسهيل عبورهم إلى منطقة آريس، والمعروف أن تلك الفترة امتازت بكثرة الفارين من ظلم المحاكم الفرنسية التي ظلت تطارد مناضلي الحركة الوطنية.

وهكذا كانت الأوضاع حتى نهاية الحرب ووقوع أحداث قالمة وسطيف وخراطة والتي وقعت يوم 8 ماي 1945، وذهب ضحيتها الآلاف من أبناء الجزائر، وبذلك تأكد أن الحل الوحيد والأوحد هو مقاومة المحتل وإعلان الثورة.

الباحث والكاتب سليم سوهالي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق