ثقافة

“بسام وزناجي” يشرح تأثير الرواسب الثقافية في تعميق هوة التخلف في المجتمع الجزائري

باتنة

أكد الدكتور بسام وزناجي باحث سوسيولوجي في جامعة الحاج لخضر بباتنة من خلال دراسته الأخيرة الموسومة بـ “الرواسب الثقافية ومظاهر التخلف في المجتمع الجزائري” أن مظاهر التخلف في المجتمع الجزائري لا تزال قائمة حتى اليوم نتيجة تمسك هذا الأخير بالكثير من الرواسب الثقافية التي لا تزال تؤثر فيه على الرغم من التطور الذي ساد العالم خاصة في مجال التكنولوجيا والإعلام، حيث لا يزال المجتمع الجزائري يعيش نوعا من التقوقع على عادات ومعتقدات وأنماط معيشية وتربوية وثقافية كانت سائدة في الماضي محافظا على معالم هذه الأنماط والأساليب في ممارساته اليومية رافضا فتح المجال للتغيير والتجديد ومواكبة التغيرات الطارئة على العصر الحديث، وذلك ما عمق هوة التخلف الاجتماعي والثقافي فيه.

الدراسة تناولها الباحث في عدة محاور أهمها التعريف بالرواسب الثقافية التي تربطها علاقة جد وطيدة ببعض مظاهر التخلف في المجتمع الجزائري الذي لا يزال يعيش في دهاليزها رغم أشكال الحداثة التي ترسم ملامح العالم حاليا حسب ما صرح به الباحث الذي أوضح من خلال دراسته المدلول المعرفي للرواسب الثقافية مستندا في ذلك إلى تعريف عالم الاجتماع تايلور الذي جاء فيه أن الرواسب الثقافية هي تلك العمليات الذهنية والأفكار والعادات والتقاليد وأنماط السلوك والآراء والمعتقدات القديمة التي كانت سائدة في المجتمع في وقت من الأوقات، والتي لا يزال المجتمع يحافظ عليها ويتمسك بها حتى بعد أن انتقل من حالته القديمة إلى حالة جديدة تختلف فيها الظروف كل الاختلاف عما كانت عليه في الحالة الأولى التي أدت في الأصل إلى ظهور تلك الأفكار والعادات والمعتقدات، وأهم ما يميز هذه المخلفات الثقافية هو فقدانها لوظيفتها وفائدتها ومعناها في ظل معطيات الجيل الجديد.

الدراسة تناولت كذلك أهمية البعد الثقافي في بناء الإنسان والمجتمع حيث أثبتت التجارب الانسانية عبر التاريخ الدور والأهمية الكبيرة التي تلعبها الثقافة في تقدم وتخلف المجتمعات، حيث تعتبر هذه الأخيرة القاعدة التي يمكن من خلالها إنجاح أي مشروع اقتصادي أو سياسي أو غير ذلك من المشاريع المرتبطة بالنظم والأنساق الاجتماعية الأخرى، وحتى العلوم في حد ذاتها لا يمكنها أن تحقق أثرها ومنافعها في مجتمع معين إلا إذا وجدت الثقافة المناسبة لتحتضنها وتوفر لها المناخ المناسب لتفعيلها واقعيا ومن ثمة نموها وتطوره، لذا يمكن القول بأن الثقافة الإيجابية بمثابة التربة الخصبة لبناء المجتمع وتقدمه والعكس صحيح فالثقافة السلبية تعد أكبر عائق أمام نهضة المجتمعات وتقدمها، حيث شبه البعض الثقافة السلبية ببعض الأمراض العضوية التي تنتهك جسد الإنسان وتحول دون أداءه للوظائف المنوطة به، حيث يستشهد الباحث بسام وزناجي بقول العالم محمد الغزالي في هذا الشأن بأن “فقر الثقافة كفقر الدم، دليل ضعف وذبول ونذير ضياع وهزيمة”.

كذلك استشهد الدكتور بسام وزناجي بالتجربة الألمانية حيث أن النموذج الذي حققه المجتمع الألماني بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية كان أكبر دليل على أن الثقافة الإيجابية والمتجددة هي الدعامة الأولى في إعادة بناء كيان الدولة والنهوض بالمجتمع في كل المجالات، حيث أن الثقافة ترتبط بمحددات سيكولوجية وسوسيولوجية تنعكس في سلوك الأفراد والجماعات، وقد تكون هذه الأخيرة حافزا يجعل السلوك الاجتماعي سلوكا ذا فعالية يخدم الفرد والمجتمع، كما يمكن أن يكون سلوكا غير فعال لا يخدم الفرد والمجتمع بل ويساهم في ظهور أزماته، حيث أن المجتمعات القوية التي تمكنت من تحقيق نهضة اقتصادية واجتماعية وعلمية اليوم كانت نهضتها الأولى في بناء الإنسان، من خلال خلق ثقافة إيجابية قوية تشمل كل الفئات والأنواع الاجتماعية على اختلاف أدوارهم ووظائفهم في البناء الاجتماعي.

ضرورة التجديد الثقافي كانت من أبرز النقاط التي تطرق إليها الباحث مشيرا إلى أن الثقافة باعتبارها نسقا حيويا في المجتمع، وجب أن تخضع  كغيرها من المكونات الاجتماعية الأخرى إلى عمليات التجديد والنمو والتطور حتى يتسنى لها مواكبة كل التغيرات الحاصلة في المجتمع وحتى تحقق وظائفها الاجتماعية بكل فعالية، وتكون جدارا متينا في وجه التخلف الثقافي الذي يعكس تخلف المجتمع بمفهومه العام والدقيق، فعلى الرغم من أن  الكثير من المجتمعات واكبت بعض المعطيات المادية والتكنولوجية الحديثة التي تعبر عن التقدم الاجتماعي بمفهومه الضيق غير أن هذه الأخيرة حسب ذات الدراسة لا تزال تعاني الكثير من المشكلات الاجتماعية في جميع  المجالات الاقتصادية  والسياسية والتعليمية والتربوية والطبية، وحتى في كيفية استخدامها للمنتجات المادية وهي مؤشرات كافية على أنها مجتمعات متخلفة حسب الباحث، حيث أن للرواسب الثقافية ومقاومة التجديد الثقافي أثرا في تخلف الأمم والمجتمعات خاصة إن كانت ديناميكية الثقافة ومحاولة الانتقال من نمط ثقافي لآخر وفقا للبحث عما هو أصلح وأنسب للفرد والمجتمع تواجه الكثير من الصعوبات والعوائق التي تحول دون تحقيق ذلك بحكم أن بعض الجماعات داخل المجتمع تحاول مقاومة هذه التغييرات وتتمسك ببعض الرواسب الثقافية الموروثة والتي تعتقد بأنها الأصلح والأنسب لها، وترى أن كل جديد قد يؤثر على مصالحها أو مكانتها داخل المجتمع المحلي أو المحيط الثقافي الذي تنتمي إليه، فتحاول جاهدة رفض أي تغيير مهما كانت طبيعته، وغالبا ما تكون النظرة إلى كل شيء جديد على أنه يمثل تحديا لوضع راهن مستقر شكلته الرواسب الثقافية الموروثة من قيم وعادات وتقاليد توارثتها الأجيال.

ومن العوامل المساهمة في بقاء هذه الرواسب الثقافية وعدم التجديد العزلة التي يعيش فيها المجتمع، بالإضافة إلى الرغبة الجامحة في المحافظة على القديم وكذا انعدام روح الابتكار والتجديد لدى الأفراد والتهرب من فشل الحاضر بمبررات الماضي، كما وتظهر بعض مظاهر التخلف في المجتمع الجزائري بسبب الرواسب الثقافية التي تطغى على عاداته وتقاليده خاصة فيما يتعلق بمسألة الزواج والخوف من الحسد وكذا الرواسب الثقافية المتعلقة بالمرض والصحة وغيرها من المسائل الاجتماعية الأخرى.

ايمان. ج

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق