ثقافة

“بشير بلاح” يصدر مؤلفه “مواقف الحركة الإصلاحية الجزائرية من الثقافة الفرنسية”

أصدر المؤرخ بشير بلاح كتابة “مواقف الحركة الإصلاحية الجزائرية من الثقافة الفرنسية 1345-1359/ 1925-1940” وهو المؤلف الذي تناول تداعيات من واقع وطبيعة الصراع الثقافي المصيري الذي كان محتدمًا في الجزائر آنذاك بين الثقافة الغربية العصرية المتوسعة، التي برهنت على إمكانية التجديد والتقدم استنادًا إلى تثمين العقل “النفعي”، والعمل اليومي، والنّظم المحكَمة..، ممثَّلة في الثقافة الفرنسية الغازية؛ والثقافة الجزائرية العربية الإسلامية التقليدية المغلوبة، في ظل التطورات الثقافية والاجتماعية العالمية المتسارعة التي تجاوزت وهمّشت النماذج التقليدية المهيمنة على واقع الجزائريين (والمسلمين)، وأدى ذلك إلى طرح تساؤلات كبيرة حول صياغة مشروع ثقافة جزائرية جديدة (أو متجدّدة)، يُوائم بين القديم الأصيل والجديد الوافد الذي أثبت نجاعته، ويتيح للمجتمع الجزائري  صناعة مستقبله الجديد.

وأوضح المؤرخ بلاح أن لهذه المعركة دور هام في تحديد مسار الجزائر المستقبلي وخياراتها على مختلف الصُّعُد؛ ومن المعلوم حسبه أنّ نوعية الشخصية تُطابقُ نوعيةَ الثقافة. بمعنى أنّ سِماتِ شخصيةِ أيٍّ من الشعوب إنما تتكون من نوعية الثقافة التي يتمثّلها ويحيا بها كما أن تنظيم المجتمع والدولة وحياتهما وحركتهما تربطها علاقات وظيفية بطبيعة الأفكار التي تنطوي عليها الثقافة السائدة في ذلك المجتمع، أين تم فرض ثلاث واجبات على المجتمع الجزائري ونخبته تمثلت في ضرورة تجاوز الانحلال الداخلي للتغلّب على الجمود والفوضى، وضرورة مواجهة الغزو/ الاستلاب الثقافي الفرنسي، لتجنّب الانقراض والتبعية، وحتمية التفاعل البنّاء مع روح العصر لتفادي العزلة والموت البطيء.

وجاء في الكتاب أنه برزت في هذه الأثناء حركة إحيائية – إصلاحية إسلامية، تصدّت لمحاولة صياغة وإنجاز مشروع ثقافة جزائرية متجدّدة، كما تميزت بانخراطها العميق في صراع ثقافي مصيري مرير يمسّ مستقبل الجزائر السياسي، بالنّظر إلى تعارُض الدعاية العروبية والإسلامية المصاحبة لتعليمها الحرّ، ولأنشطتها الإعلامية والدّعَويّة والترقوية والتحسيسيّة مع هيمنة الثقافة الفرنسية التي يرتكز عليها النظام الاستعماري، في ظل سيادة فرنسية لا ترضى بأقل من السيطرة الكاملة، فضلاً عمّا تضمّنته من تأكيد على خصوصيات الشعب الجزائري التاريخية والثقافية، وما تطلّبته من جهود جماعية ووطنية مؤطِّرة ومُلهِمة.

ونوه بلاح أن كل ذلك يأتي في ظل هيمنةٍ ثقافية وروحية (وسياسية واقتصادية..) غربية مطلقة؛ يقابلها جمودٌ وتفكّك وفوضى خُلقية واجتماعية وسياسية..في عالم الإسلام، إلى حدٍّ سلَب المجتمعات المسلمة إنتاج تاريخها الخاص، وجعل الحضارةَ الإسلامية نفسَها مهدّدة بالإبادة أو بالاندماج في الحضارة الغربية على حدّ تعبير “توينبي”(Toynbee) ؛وعجزٌ وتقاعس عن تجديد كيان الإنسان طبقًا لتعاليم الإسلام الحقّة ومناهج العلم الحديثة الكفيل وحده بإعادة التوازن إلى حياته، وقد تحتم علي الحركة الإصلاحية أن تستجيب بتبصّر لتلك التحدّيات، بما يمكّن من تجديد كيان الإنسان الجزائري في إطار ثقافته الإسلامية، بكيفية تراعي وتستوعب متطلبات العصر ومستجدّاته الحاسمة التي جسّدها زحف الثقافة الفرنسية، كمورد ورأس حربة للثقافة الغربية المتوسّعة.

وعن النتائح التي توصل إليها الباحث والمؤرخ بلاح بشير، فيرى أنّ النهضة الإسلامية الحديثة وحركاتها الإصلاحية، ومنها حركة الإصلاح الجزائرية، ليست سوى تجلّياتٍ لحركة ضمير الأمة الإسلامية في سعيها الدّؤوب لتجاوُز الهوّةِ التي فصلتها عن روح القرآن منذ معركة صِفّين (37هـ/ 657م) كما يرى مالك بن نبي، وعن الفكر العلميّ الحديث ؛ كانت صدمة فرنسا/ الغرب في الأزمنة الحديثة مناسبةً هائلة لتجليتها وامتحانها. كما نشّطتها  إلى ترسيخ خصوصيتها، مضيفا أن جهود الحركة الإصلاحية ومحاولاتها لامتصاص صدمة الحضارة الفرنسية واستثمار تحدّيها كانت مقيّدةً بعوامل موضوعية، تمثّل في كثير من جوانبها قُصورًا ذاتيًّا لا مجال لتجاوزه كثيرًا في تلك المرحلة، ليصل إلى ما مفاده أن الحركة الإصلاحية قد أيقظت المجتمع الجزائري حين أقْحمت في الضمير الإسلاميّ فكرةَ مأساته المزمنة، لكنها لم تتمكّن من صياغة خطّة واضحة ومفصّلة تعتمدُها لإخراجه من مأزق التقليد والتبعية والاستضعاف، ووضْعه على طريق التجديد الذاتي، الذي يستجيب لاحتياجات العصر ويرفع تحدّياته؛ الأمر الذي قد تفسّره إلى حدّ بعيد ظروف الجزائر السياسية، وغلبة الطابع التقليدي على الثقافة العربية الإسلامية، وضعف استجابة المجتمع.

في حين  تمخّض كفاحُ الحركة الإصلاحية حسبه، بقيادة الإمام ابنِ باديس ضدّ غزو فرنسا الثقافي للمجتمع الجزائري في المقام الأوّل عن احتفاظه بشخصيته العربية الإسلامية التي بذل الفرنسيون كل ما بوسعهم للقضاء عليها، وكانت كل الدلائل تشير إلى اقترابهم بالتدريج من تحقيق ذلك خلال الثلث الأول من القرن العشرين، خاصة في الجهات الحضرية.

وقال بلاح أن الحركة الإصلاحية بالثقافة الفرنسية تأثرت في مجالات فكرية وعملية عديدة. فلم يتحرّج الإصلاحيون من استعارة كثير من الاصطلاحات والأفكار الغربية للتعبير عن آراء اجتماعية ودينية في قضايا ومشاكل معاصرة تتّفق تمامًا وروحَ الإسلام كما يرى الباحث علي مراد، لكنهم كثيرًا ما حاولوا ردَّ قيمِها الإيجابية إلى الموروث الإسلامي، باعتباره مخزنًا لكل القيم الإنسانية والاجتماعية السامية، مردفا: “إنّ الحركة الإصلاحية قد أدّت واجبها في مواجهة التحديات الثقافية الخارجية (والداخلية)، كما بلّغها اجتهادُها ومدى اتّساع أفُقها، وحدّتْهُ لها ظروف أمتها القاسية ومعطيات زمانها الحاسمة. وكانت متقدّمة على كثير من الحركات الإسلامية في أيامنا، التي جعلت من موضوع التصوير الفوتوغرافي، أو استخدام وسائل الاتصال الجماهيرية كالتلفزيون، أو الأناشيد والموسيقى الهادفة-مثلاً- مشاكل تتكسّر عليها الأعناق”.

رقية. ل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق