مواسم البوح

بطولة أعمى…

قصة

…أسرني ذلك الرجل الأعمى في إحدى حافلات النقل العمومي،  حين كنت عائدة من الكلية،  في ذلك اليوم التاريخي المشهود، يوم الشهيد.. الساعة الرابعة والنصف عصرا..

يصعد الحافلة، يقوم له الجميع .. فجأة ! يبدو أنهم  يرغبون في حسنات، وحتى الشباب منهم ..

الغريب أن كل واحد منهم كان يجلس إلى جنب إمراة لا هي حرمته ولا قريبته، الأكتاف تلامس الأكتاف، فلا عيب يثنى ولا دين يحرك مشاعر ومازاد  التلامس أكثر، ضغط السائق على المكابح بعصبية واضحة في هذه المدينة المقْلِقة وكلما صعد مُمهلا وكأنه يصعد جبلا في مدينتي التي أعدّت طرقاتها لتثير أعصابنا ..

يصعَد فيرفض الجلوس جنب حرمة غيره لا لشيء إلا محافظة على قيم دينه ..عندما خاطبه أحدهم : أجلس ياشيخ بجوار هذه المرأة. وبحركة سريعة عاد إلى وضعية الوقوف، بعد أن لامس المقعد..

أما الواقفون فجأة، أناس يريدون رضى الله ورضى الجمهور المشاهد، تخيلتُني أشاهد لقطة من لقطات كريستيانو الشهيرة…

إلا أن ذاك الأعمى – عفو البصير – بقي رافضا الجلوس ولم يجلس جنب إمرأة، أنار الله بصيرته عكس أولئك .. الذين نراهم يزاحمون النساء في الأسواق وفي الحافلات وفي الأعراس وغيرها..

من الأماكن المختلطة والخاصة أيضا  ..

فقط من أجل غرض تافه ووضيع، أعين وأذرع ذئاب، تنساق وراء الوضاعة أنّى وجَدَتها.. غريب أمر بعض بني ٱدم يتراصفون وراء الأوهام والشهوات وكأنهم قطط متلصصة جائعة، مشردة، تبحث هنا وهناك عن وجبات لن تقدم لهم سوى مزيد من الجوع وسيلان اللعاب ..

…تقدم الرجل الأعمى للنزول بإحدى المحطات، كان بحركاته المتثاقلة وبالعصى التي يتخذها دليله بل عينا يبصر بها، الجموع وهم يقفون أمام النصب التذكاري ويقرأون فاتحة الكتاب ويذكرون بطولات الأجداد …

لقد كانت الكلمة التذكيرية عميقة جدا وهو يستعيد المثل النبيلة التي استأسد الأولون في الدفاع عنها جنبا إلى جنب مع المرأة في سنوات الإستدمار، تذكّر والدته الشهيدة التي كانت إلى جنب أبيه الشهيد والطائرات تقصف دشرتهم الصغيرة، لقد نجا مع مجموعة من السكان بأعجوبة..

كان لتلك القصة والشهادات من ذلك الأعمى في قاعة المحاضرات بمناسبة يوم الشهيد قبل ساعة فقط مفعول السحر، لقد أثرت أيما تأثير عليّ وزادت من إيماني بأن قيم الأجداد لابد أن تتواصل…

نزل وعيناي تتبعه وكأنها رأت ملاكا طاهرا وسط جموع الشياطين …ذاك الملاك المتخلق الشريف،  الجزائري بن الجزائري والجزائرية.. لقد رفض بحسّه الطبيعي السليم، سلوكا بسيطا، يحسبونه هين وهو عند الله عظيم..

سيدي أنت لست بالأعمى، أحسبُك جلّلت مكانك في أعينهم ومسحت الغشاوة عن بصائرهم ..

لقد تركتهم وأنت تنزل، عفوا ترتقي مشدوهين تغللهم فعلتهم المشينة…

بثينة مستورة/ بسكرة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق