إسلاميات

بين الدنيا والآخرة

خواطر إيمانية

(يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ) غافر: 39.
تأملتُ في هذه الآية، فوجدت أن من استقرت في قلبه ورسخت في ذهنه، وأيقنت بها نفسه، تغيرت أحواله، وسكن قلبه لأقدار الله في الدنيا، وذلك أنه سبحانه بيَّن في هذه الآية أن الدنيا متاع وعرض زائل، سرعان ما تنقضي متعها، فتشوبها أو تعقُبها المنقصات والأكدار، والآخرة هي دار القرار، أما الدنيا فهي ليست دار قرار وأحوالها لا تدوم لأحد، ودوام الحال من المحال، وقيل: لو دامت لغيرك ما وصلت إليك.
فكم من غني فيها افتقر وكم من فقيرٍ فيها اغتنى وكم صحيح فيها مرِض وكم عزيز فيها ذلَّ، الحي فيها يموت والشاب فيها يهرم وكم لها من أحوال وأحوال.
فهي دار عمل لا جزاء، ودار تكليف لا تشريف: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ) البلد: 4، يكابد الإنسان الحياة ومشاقها، يُبتلى فيها بأنواع الابتلاءات.
فكل ما يصيب المسلم سبب في مغفرة ذنوبه ورِفعة له إذا احتسب الأجر عند الله، واستقبل ذلك بالصبر والاحتساب والرضا، ولولا المشقة ما كان للصبر قيمة، ولولا المرارة ما كان لمذاق الحلاوة معنى.
وهذه الحياة يسعد فيها المؤمن لإيمانه بحقيقته، ويشقى فيها الجاهل والمريد خلافَ سُنتها.
فمن رغب فيها في راحة القلب، فليلزم طاعة ربِّه، ويؤدي الذي عليه؛ ليرتحل إلى الله متخففا من أثقالها ومتاعها، فالعاقل يعلم غاية خَلقه، وأنه خُلق ليعبد ربه، فيسعد بعد ذلك في جنات الخلد، وجيء به للدنيا؛ ليدفع ثمن الحياة الحقيقية مقابل سنوات معدودة يعبد الله فيها، ويخلص له ويوحِّده، ويعمل الصالحات، فينال بتلك العبادة المحدودة جنة عرضها السماوات والأرض خالدا فيها أبدا، فالعاقل لا يضحي بالأبد من أجل متع قصيرة فانية: (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) العنكبوت: 64.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق