العمود

بين الشعب والجمهور

وجب الكلام

كنت قد تحدثت في موضوع سابق وقلت أن من عيوب الديمقراطية أن يتم الخلط بين الشخص “المحبوب” والشخص الكفء ومن الأخطاء التي تدفعنا في كثير من الأحيان لأن نلعن الديمقراطية أن يحظى “المحبوب” بدعم الأغلبية على حساب الكفء، واليوم أضطر لأن أعيد نفس الكلام خاصة لما لاحظته من خلط للأمور وسوء فهم للمعنى الحقيقي للدولة، لأن الكثير من المواطنين باتوا لا يعلمون متى يكونون جمهورا ومتى يفترض بهم أن يكونوا شعبا، فالدولة في مفهومها الحقيقي تبنى بالشعب وإرادة الشعب النابعة من الرغبة الصادقة في بناء الدولة بالعقل والمنطق لا بالعاطفة والأهواء.
ما أود قوله بكل صراحة وبدون تردد وبلا مقدمات هو أن الديمقراطية في بلادنا سوف لن تأتي بنتيجة إيجابية للدولة وذلك لعدة أسباب أبرزها أن منطق الجمهور بات السيد في كل موعد انتخابي، فالكثير من المواطنين الجزائريين باتوا مستعدين لأن ينساقوا خلف فنان ما ويمنحوه أصواتهم في أي انتخابات لمجرد أنهم “يحبونه”، أي أن الحب هنا يعتبر المعيار الأساسي الذي يتم على أساسه اختيار “المرشح”، والكثير من المواطنين الجزائريين باتوا مستعدين لأن ينساقوا خلف شخص لم يفعل شيئا سوى أنه “تحدث بصوت عال” وبلهجة شعبوية أمام مسؤول ما، أي أن المعيار هنا هو “الشعبوية” التي بإمكان أي شخص أن يمارسها فيحظى بقاعدة جماهيرية لا بأس بها لأن من مميزات الجمهور أن يميل “للأكشن ” أو ما يسمى في لهجتنا بالفنتازية، ويمكن للكثير من الجزائريين أيضا أن يتعاطفوا مع قائل العبارة الشهيرة “وكاس جي” فيصوتوا له بقوة في حال قام بالترشح لانتخابات ما، أي أن المعيار هنا هو “الانتشار” فكل شخص يمكنه أن يحظى بجمهور لا بأس به إذا ما انتشرت له عبارة أو مقولة “عفوية” على مواقع التواصل الاجتماعي ولإن قائل عبارة “يتنحاو قاع” لخير دليل، كما يمكن لمقدم برامج تلفزيونية أن يحظى بقاعدة جماهيرية أيضا إذا ما عرف بالتزامه طوال سنوات وبالهدوء وبعده عن الساحة السياسية ويمكنه أيضا أن يحظى بأصوات جمهوره إذا ما قرر الترشح لانتخابات ما، حتى رئيس جمعية خيرية بإمكانه أن يحظى بدعم واسع من “المتعاطفين” إذا ما قرر الترشح لانتخابات ما.
لكي نتمكن من أن نحظى بديمقراطية سليمة أرى أنه علينا أن نميز أولا بين كوننا جمهورا وكوننا شعبا، فإن كان لنا في الحياة شخص نحبه ونحترمه ونعتبره قدوة في مجال ما فذلك لا يعني أبدا أن نزكيه لقيادة البلاد، فليس حب الأشخاص معيارا لاختيار المنتخبين في أية انتخابات، بل إن المعيار الحقيقي هو حب “الوطن” وحب الوطن هو أن نختار الأفضل والأنسب للدولة ومؤسسات الدولة ومن نتفق عليه بعقولنا لا من تدق له قلوبنا وتميل إليه عواطفنا، والمعيار أيضا أن نختار الأجدر والأكثر كفاءة ومن يمكن أن نعتمد عليه لا أن نختار “العاقل” أو “اللي صوتو شباب” أو “اللي قرا بزاف كتابات” أو من حفظ بضع قصائد شعرية، لأنه في حال احتاجت البلاد أو حتى مؤسسة من مؤسسات الدولة لبصمة “القائد” فإنه لا ينفع حينها ” هدوء العاقل” ولا “صوت الفنان” ولا “إلقاء قصيدة شعرية” من “مثقف”، بل إن البلاد بحاجة لأن نختار لها بعقولنا من يستطيع اتخاذ القرارات المناسبة في الوقت المناسب، ومن يبحث في تفاصيل حادثة تيقنتورين سيدرك أن الدولة بحاجة “لرجال” لو أتيحت “للجمهور” فرصة اختيارهم لما اختارهم، ولكنا اليوم بسبب الديمقراطية السقيمة نقرأ “قصيدة شعرية” تروي تفاصيل الهزيمة تحت عنوان “صدمة كبيرة”، لهذا فاختاروا “الرجال” المحنكين ولا تختاروا من تظنون أنهم “ناس ملاح” فعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم.
حمزة لعريبي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق