العمود

بين القول والفعل

من الجميل أن تعرف فترة الانتخابات بمختلف أنواعها المحلية والتشريعية وحتى الرئاسية تنوعا في الوجوه والأشكال وفي الأفكار والإيديولوجيات، وهذا ما يوضح فعلا أن الأبواب مفتوحة للجميع، وأن لأي مواطن جزائري يستوفي الشروط القانونية كل الحق لأن يترشح ويقدم برنامجه الانتخابي أيا كان مستواه، لكن المشكلة في الموضوع تكمن في نوعية البرامج ونوعية الخطاب اللذان يتقدم بهما بعض المترشحين إلى الناخبين، وإفساح المجال لكثير من السذج للترشح لمختلف المواعيد الانتخابية أشبه بفسح المجال أمام بعض المعتوهين في المسابقة الغنائية “ألحان وشباب”، إذ أنه يمكن لأي شخص التقدم إلى مكتب القافلة المتنقلة لاجتياز اختبار الصوت، والمؤسف أن أحقية الجميع في اجتياز هذا الاختبار تتيح لمن هب ودب الظهور على شاشة “التلفزيون العمومي”.
بعض السياسيين، أو لنقل بعض من يدعون أنهم سياسيون اليوم أصبحوا يعلنون ترشحهم لمختلف المواعيد الانتخابية ليس بهدف تقديم الإضافة ولا حتى للمنافسة على “الكرسي”، بل للظهور وكسب الشهرة وكسب بعض الامتيازات خاصة المادية باسم “الترشح للانتخابات”، وهذا الأمر يعود في كثير من الأحيان بالسلب على ما يسمى بالديمقراطية في بلادنا، ويعود بالسلب على الممارسة السياسية، وحتى على نظرة الرأي العام العالمي إلى جودة ونوعية السياسيين عندنا، وإلا فكيف لشيخ أن يعلن ترشحه للرئاسيات وهو لا يعلم حتى سعر البطاطا في السوق؟ وعندما يسأل، يجيب بأن السعر يتراوح بين السبعين والثمانين مليون سنتيم، فهذا المترشح عندما تطلع الصحافة العالمية على الحوار الذي أجراه مع قناة جزائرية خاصة سيكون الأمر بمثابة دليل كاف على أن الممارسة السياسية في الجزائر مهزلة، فمن سيترشح من أجل أن ينهض باقتصاد الدولة التي يأمل في أن يكون رئيسا لها لا يعلم حتى سعر المنتوج الجزائري في السوق الجزائرية.
بعيدا عن السذج، هناك بعض ممن يدعون أنهم مثقفون، ورغم ذلك فالبرامج التي يتقدمون بها إلى الشعب تكون بعيدة كل البعد عن الواقع في الجزائر ومناقضة تماما له، وعندما نتحدث عن التناقض فلسنا نتحدث عن اليأس وانعدام الأمل في التغيير لكن نتحدث بناء على كون بعض المترشحين غير مهتمين بتقديم برامج واضحة وحقيقية ومنطقية للشعب، بل إنهم يكتفون بزرع الأوهام فقط رغم ثقتهم التامة في أن ما يقولونه للشعب غير ممكن تحقيقه على الأقل في الوقت الحالي، حتى أن البعض من المترشحين يكادون يعدون المواطنين بجلب النجوم لهم، وهذا في حد ذاته استغباء للشعب قبل بلوغ “الكرسي” فكيف الأمر لو تم بلوغه؟
ما جعل الوضع قائما وثابتا ومستمرا على ما هو عليه ليس عدم رغبة البعض في تسليم المشعل، بل لضعف البرامج السياسية المقدمة وقربها من الخيال أكثر منه إلى الواقع، الأمر الذي جعل المواطن يسحب الثقة من كل شخص يحمل لقب “المترشح” حتى إذا كان مترشحا لرئاسة “قسم” في مدرسة ابتدائية، لأن الترشح في ثقافتنا أصبح يعني “ممارسة الكذب” ولو أننا حاولنا اللجوء إلى المصارحة وقول الحقيقة لاستطعنا أن نحسن من جودة الخطاب السياسي وجودة الممارسة السياسية.

حمزه لعريبي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق