العمود

بين همّين!؟

لولا ذاك الخوف من كل ما هو قادم وما هو غامض..ولولا تلك الثقة المهزوزة في الجهات التي يفترض بها أن تكون مصدرا للثقة العمياء والإحساس بالطمأنينة..لما أقدم جزائري على شراء ما يزيد عن حاجته ولو بالنّزر القليل..ففي الوقت الذي انغمس فيه البعض في إفراغ رفوف المحلات والمتاجر من بضائعها كان هناك بالمقابل من يلقي باللوم على هذه التصرفات “غير الحضارية” ويصفهم “بالملهوفين” و”الجيعانين”..و بصفات لا يليق المقام لذكرها..بينما كان في حالة تأهب قصوى لإفراغ “خزائنه” وتهريب “الشكاير”..!!.
والواقع أن هذه “الهستيريا” التي اجتاحت المجتمع الجزائري كرد فعل “لحراكه” ما هي إلا محاولات يائسة لتأمين مسمى “الأمن” بجميع ضِلاله وخاصة ما تعلق منه بالأمن الغذائي الذي يشكل “هاجسا” في حالات عدم الاستقرار والدخول في الفوضى التي تبدأ بحصد ضحاياها من “المعدمين” و”البسطاء” و”ذوي الحاجة” و”قليلي الحيلة” حيث ليس من “مهامها” اقتناص الأثرياء والقادرين لكونهم في “مأمن” عن “المساومة” التي تستهدف أنفسهم وأعراضهم وأبناءهم وإن كان جزء من أموالهم ستطاله “الأزمة”..وهنا تكمن المفارقة بين الفئة الأولى التي تقف كرامتهم على المحك وبين “الرابحين” في جميع الأحوال والذين يملكون حقائب جاهزة وجوازات سفر بجميع الألوان..
البسطاء يحملون “همّ” كرامتهم وكيف يمكنهم أن يجنبوها “المهانة” بأي شكل من الأشكال وأكثر من ذلك هدفهم الأول البقاء على أقصى درجات اليقظة للدفاع عن الوطن والحفاظ عليه..في حين نجد أن “المتاجرين” و”البيّاعين” و”الحركى” الجدد لا يملكون ما يخسرونه في هذا الوطن الذي لم يخلصوا له يوما ولا يملكون “حِسّ” الانتماء إليه..وهنا تكمن المفارقة أيضا..
من المبكي أن نعتقد أن بضع كيلوغرامات من الغذاء أو ما يسميه الجزائري “الرافيطايما” ستؤمن لنا “الحياة” تحت “الأنقاض”..وكم من الوقت يمكنها أن تجعلنا نصمد؟!..ما يعني أن لا فائدة ترجى من مثل هذه الحلول و”الاحترازات”..حيث لن ينفعنا بياضها في أيامنا السوداء ـ لا قدر الله ـ.. صحيح أن الحديث عن “أزمة” سابق لأوانه وقد يوحي بنظرة قاصرة متشائمة..لكن واقع الحال من حولنا يجعلنا نضبط حساباتنا على أجندة تأمين “وطن” يحتضن جميع أبنائه ويؤمّن لهم الحياة الآمنة المستقرة والكرامة والعزة والعدالة والحرية..وما لا يحصى من الأحلام التي ظلت مُصادرة لأجيال.

سماح خميلي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق