العمود

تأملات في الخطاب

التفكير بصوت عال

(على هامش صدور كتابي “سياسات الخطاب الأدبي” كانت لي هذه التأملات في الطبيعة المناورة للخطابات)

أولا: يغلب الاعتقاد بأن الخطاب يشبه المنظمة السرية المتآمرة على البشر.

التعبير طبعا تعبير رمزي، وجوهر المسألة هي أن الخطاب يعمل دوما بشكل خفي، هو مولع بتشكيل سطوح للمعنى تغرينا بالخوض فيها من خلال محاورة مكتسباتنا العقلية وتموقعاتنا الإيديولوجية وكذا عاداتنا الذوقية .. ولكن الخطابات ليست بريئة ابدا. هي تتلاعب بنا في ظل شعورنا بالهدهدة والتأرجح اللذيذ، وفي ظل اتكائنا إلى كون كل شيء في كنف الخطاب (في كنف الحياة)  على ما يرام. الخطابات تغرينا بفكرة أننا نحن من ينشئها، والواقع هو أنها هي التي تتحكم فينا. نحن نقول الكلمة لا نلقي لها بالا أو ننشغل عنها فيما هي تفعل بنا الأفاعيل. نزكي خطابا سياسيا بحسن نية أو عن غفلة سياسية فيعود بنا سبعين عاما إلى الوراء. نعلي من قيمة نصوص شعرية تبدو مساحات جمالية بلا تطلعات إيديولوجية فإذا بها تعمل بعمق على هندسة أجيال من الناس يحملون مزاج تلك النصوص.. طريقتها في التفكير.. تموقعاتها من الوجدان وما ينجر عنها من ميل إيديولوجي ومن توجهات سياسية. ولهذا وصفت الأدب بأنه نظرية مؤامرة على المعنى وعلى الإنسان… والواقع أن كل هذا من صميم الدراسات الثقافية  cultural studies  التي أشتغل عليها منذ أعوام.

ثانيا: الأدب نظرية مؤامرة… والخطاب الأدبي تحقيق له.

نظرية المؤامرة تؤمن دوما بأن هنالك تنظيمات خفية تسير الشأن العام على مستويات كبيرة وعميقة مع الاجتهاد الكبير في إخفاء أثر هذا العمل. الأدب أيضا التصق – خصوصا عندنا نحن في الشرق- باستراتيجيات المجاز. أو بطرق الإحالة المستمرة على عوالم تبتعد عن الواقع بمبرر جمالي في كثير من الأحيان ولكن بلا مبررات واضحة في كثير من الأحيان. يتصل ذلك بما سماه هارولد بلوم في كتابه الهام  the anxiety of influence بتجريد الذات والعالم، أي أننا لكي نحقق أدبية الأدب علينا أن نأخذ موادنا التخييلية إلى عالم خارج الزمن وخارج المنظومة الكونية، يسمي رولان بارط هذا الأمر بالفضاء الدلالي ويضعه بعيدا عن الخيال وعن الواقع/ المرجع.. هو فضاء ثالث ناتج عن مسارات الكتابة، يتجاوز الواقع صوب تصورات مركبة وتشكيلية لهذا الواقع، ثم يتجاوز هذه العوالم صوب فضاء تتقاطع فيه كل هذه الأشياء لإنتاج دلالة معينة تستدرج القارئ من خلال معانٍ خوافيها أكثر من ظواهرها.. وهذا ما وصفته أنا بعمل المنظمة السرية… الأدب يشكلنا بعمق بعيدا عن وعينا بهذا الفعل. وهو يفعل ذلك بنية أنه يحسن عملا. وهذا جوهر المنظمات السرية التي تتعالى على الواقع السياسي والتاريخي بحسن نية، مع عدم ضمان للنتائج، وهنا يكمن خطر عمل المنظمات السرية (وخطر الأدب أيضا).

 

ثالثا: ولسلطة الخطاب مصادر

الخطاب هو طريقتنا في تصور مسارات المعنى. النصوص محاولات لصياغة المعنى، ولكن النصوص تبقى خامات نفعل بها في تداولنا ما نشاء. إذا درس الواحد منا المعلقات فإنه يمكنه أن يقف معها عدة وقفات: إعجاب بالوجدان العربي. وصف دقيق لنظام الأخلاق وجداول القيمة عندهم، عجز عن تجاوز أفق القبيلة السياسي. غياب كلي لتصور العالم خارج إطار الصحراء. إهمال لثقافة البحر رغم آلاف الكيلومترات من السواحل العربية التي كان العرب وقتها يعرفونها ويعايشونها ويقتاتون من خلالها ويمارسون التجارة والصيد والجوار معها… وكل ذلك غفلت عنه المعلقات…

يمكننا أن نسائل المعلقات ألف سؤال. وكلها تولد خطابات بعضها ذو توريطات إيديولوجية، وبعضها فيه إحراج للمدونة التاريخية على أساس مخرجاتها التاريخية والمجتمعية.

سلطة الخطاب سلطة نوجدها نحن من خلال تعاطينا للمعنى.

تصوري معي رواية فيها صياغة لمحاكمة هاديغير وسؤاله عن مدى مساهمته في الخراب الهتلري بما أنه كان منخرطا مع النازيين، أو تصوري رواية أو مقالا فيه سؤال محرج لهيغل حول صمته المطبق على العرب والمسلمين ودورهم في التاريخ.. هل يمكن لفيلسوف يبدو أنه أحاط بكامل معارف العالم على أيامه أن يصمت صمتا شبه كلي عن أمة برمتها كان لها دورها؟

ستكون هذه الخطابات الخيالية ذات سلطة واقعية كبيرة رغم عنوان “التخييل” الهام الذي تعودنا نحن المشارقة على عده عنوانا استصغاريا بسبب الخطأ الكبير في ربط التخييل الذي هو نشاط عقلي ضروري لفعل التفكير، بالوهم الذي هو حصيلة خائبة في مسار البحث عن الحقيقة.

رابعا: أما عن دور الإيديولوجيا …

الإبدبولوجيا مثل الروح. هي تعبر كل شيء في حياتنا. كما أقول دوما يوجد قليل من الإيديولوجيا حتى في طريقة جلوسنا إلى طاولة الفطور وتناولنا قهوة أو فطيرة.. الإيديولوجيا تموقع للذات، ولا مهرب لنا من هذا التموقع حتى في أبسط الأشياء. نحن أبناء عاداتنا، ومخاوفنا، وطريقتنا في ممارسة الأشياء بوعي أو بلا وعي.

تبقى الإيديولوجيا سلاحا ذا حدين، فنحن نفعل بها (ولها) ما نشاؤه؛ إذ يمكننا تحويلها إلى طاقة دافعة صوب البناء كما يمكننا فعل العكس بها. في نهاية الأمر هنالك إيديولوجيا ساعدت روسيا على الانبعاث من رماد كانته منذ أربعين سنة، وهنالك إيديولوجيا مقيتة فككت بلدانا عربية مثل العراق وليبيا، وليست إيديولوجيا الغزاة التفسير الوحيد لما حدث ويحدث عندنا، بل إن هنالك حاضنة محلية لكل هذا الاستعداد للعداء وللشقاق هي التي مهدت للغزاة.

خامسا: فرضية هواجس رجل الفضاء الذي يزور الأرض…وهل يا ترى يسأل عن السياسة أم عن الجنس؟

لا أعتقد ان هنالك فرقا بين السؤال عن السياسة والسؤال عن الجنس. الجنس مسألة سياسة لأن كل شيء في الحياة مسألة سياسية. السياسة قد تدخل حتى في الخيال الذي في الكتب. وهو المعنى الخفي لرواية ري برادبوري “فهرنهابت 451” التي يتم ذكرها في كتابي.

الأحلام واللاشعور نفسهما مسألتان سياسيتان. الواقع يبدأ في التشكل من خلال الوجدان، من خلال مخاوفنا وآمالنا ثم أطماعنا في ظرف معين لتحسين الحياة. لجعل العالم أقل عنتا وأجمل وأكثر ملاءمة لما هو في الكتب.

إحداثية رجل الفضاء التي اقترحها هوبز ثم طورها فولتير في قصته “ميكروميغاس” هي حيلة كتابية وفلسفية للتفكير في محاولات تجديد الوعي البشري بالأشياء. استعادة عذرية العقل.  وربما يكون أصل هذه الترسيمة من ابتكار ابن سينا في قصته العميقة “سلامان وأبسال” والتي استعادها حكماء العرب وأدباؤها مرارا: السهروردي، ابن طفبل، ابن النفيس.

ماذا سيكون وجدان رجل يولد من جديد ويتعلم كل شيء كأنه الرجل الأول في الوجود؟

أعتقد أن غريزته ستجعله يفكر أولا في الجنس. وبعدها سيبدأ في تنظم شؤون كل شيء (بما في ذلك الشأن الجنسي بكل الفوضى الجميلة المحيطة به طبعا) وساعتها سيكون بصدد التفكر في السياسة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق