العمود

تحصيل حاصل

وجب الكلام

صراحة، لا أدر كيف أن مواقع التواصل الاجتماعي لا زالت تعج بمنشورات ومواضيع جلها نحيب وبكاء على الأطلال، ولا أدر كيف أن الكثير من الجزائريين باتوا يتألمون ويتحسرون على الواقع، ولا أدر كيف يكفر الكثير من الجزائريين الذين يقولون أن السلطة قد وضعتهم أمام الأمر الواقع بعد الإفصاح عن قائمة “الخمسة”، فما أراه أنا هو أن الأمر لا يتعدى كونه تحصيل حاصل ونتيجة حتمية لمعطيات واقعية ومنطقية جدا.
الواقع هو أن الشعب الجزائري قد كان منقسما إلى فئات مختلفة الميول، وهناك الكثير من فئة الشباب الجزائري من اختارت الخوض في عالم السياسة ومن البديهي أن تكون الأحزاب السياسية سفنا تبحر بها في هذا العالم، وبالتالي فإن للأحزاب السياسية قواعد شعبية يحق لها أن تستدعيها كلما اقتضت الحاجة، غير ذلك فهنالك فئة تضم الكثير من الانتهازيين وهم أشخاص تنطبق عليهم عبارة “في كل محضر يحضر”، أي أنهم يأكلون مع من يأكل ويبكون مع من يبكي، يؤمنون في حضور المؤمنين ويكفرون في مجالس الأبالسة، وبالتالي فإنهم غير مؤهلين لأن يقاس عليهم في أي موقف لأنهم أشبه براقصة تميل لمن يدفع أكثر، وهناك فئة أخرى ناضلت طوال سنوات من أجل قضية ما ولا زالت تناضل وهي تشكل جزء لا بأس به من الذين استوعبوا قبل غيرهم ومنذ نهاية العهدة الأولى لبوتفليقة بأن الجزائر ستسير إلى ما نحن عليه اليوم من عفن ورداءة وفساد، لكن القليل آنذاك من فهم اللعبة.
الحقيقة هي أن الحراك في أولى أيامه قد كان متفقا فيه من طرف الشعب كافة على هدف واحد وهو إنهاء “حكم بوتفليقة وحاشيته”، وغير ذلك فلم يتفق الشعب على أية أهداف أخرى كالتي خرجت فئة تنادي بها وتسوق لها، ولم يتفق الشعب على أية استيراتيجية للخروج بنتيجة في صالح الجميع وأقول في صالح الجميع لا في صالح فئة عرفت كيف توجه “اندفاع الشعب وانتفاضته” إلى ما يخدم أهدافها التي لم تستطع تحقيقها على مدار سنوات مضت بالفوضى ونشر العنصرية والفكر الانفصالي أو التوغل أكثر في دهاليز الدولة والتغول فيها.
في رأيي، ومن وجهة نظري الشخصية، فإن ما اتفق عليه كل الشعب قد تحقق، أما ما لم يتفق عليه فلا يمكن أن يتحقق، لأن الشعب قد كانت إرادته قوية ومتينة بما يكفي لإنهاء بوتفليقة وحاشية بوتفليقة، لكنه لم يتفق على خلق “منظومة سياسية ششبابية”، نعم، اتفق الشعب بمن فيه من مناضلين في حزب جبهة التحرير الوطني على الإطاحة بحكم بوتفليقة وإنهاء طغيانه وطغيان أخوته لكنهم لم يتفقوا على التخلي عن حزب الأفلان، واتفق الشعب بمن فيه من مناضلين في حزب التجمع الوطني الديمقراطي على الإطاحة بالأوليغارشيا لكنهم لم يتفقوا على التخلي عن حلم الراندويست في أن يكون رئيس الجمهورية منهم، واتفق الشعب بمن فيه من “راقصات” على عزل بوتفليقة عن الحكم لكن الراقصات لم يتفقن أبدا على أن يعتزلن الرقص، واتفق الشعب بمن فيه من “أصحاب قضية” على أن يجتمع على إنهاء الوصاية البوتفليقية على كل ما في الجزائر حتى “نساءها” لكن أصحاب القضية لم يتفقوا على أن يتخلوا عن قضيتهم.
ما أود قوله هو أن الهدف المسطر من طرف الشعب ككل قد تحقق، أما الأهداف التي اختلف فيها الشعب فلا يمكن أن تتحقق ولو اعتصم الآلاف لألف ليلة وليلة، لأن الأمر يتعلق بإرادة شعب بالملايين لا إرادة “بعض منه”، لهذا فما حدث هو تحصيل حاصل لا أمرا واقع، وهذا تحصيل ديمقراطية تقضي بأن كل فرد جزائري حر في خياراته فمن أراد انتخب ومن أراد امتنع، وغير ذلك فلا ديمقراطية تقضي بأن يصغى لأصحاب فكرة أو إيديولوجية ما على حساب “شعب ووطن”، وليس من المعقول وليس من الحكمة وليس من الأخلاقي وليس من الروح الرياضية أن يتم تخريب ملعب بأكمله لمجرد أن شارة القيادة قد تقرر منحها “بناء على الأحقية لا بناء على النفوذ والفنتازية والبلطجة”.
حمزة لعريبي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق