مواسم البوح

تخبّط النّقد الغربي

همسة

مدارس النّقد الغربي كثيرة ونظرياته عديدة يلغي اللّاحق منها السّابق، ويَلعن التّالي الأوّل، وتزعم كلُّ نظرية امتلاكَها المفاتيح السّحريّة لقراءة النّص الأدبي، وتفكيك أجزائه والتّعرّف على تفاصيله، والغوص في أعماقه المدركة منه وغير المدركة، الممكنة وغير الممكنة، وجاءت تلك النظريات بالعجب العجاب وافترت الإفك حتى قالت بموت المؤلّف وحياة القارئ، ثمّ قالت بموت النّاقد وحياة النّص ومنها التي قالت حتّى بموت النّص نفسه وميلاد نصّ جديد ينتجه القارئ، أو موت الجنس الأدبي وتماهي كلّ الأجناس الأدبيّة في جنس واحد هجين بغير هويّة محدّدة، بل بملامح غائمة ومراوغة.

كلّ هذه النظريّات المتناقضة والمتلاعنة هي نتاج فكر مضطرب وحياة قلقة لا تجد استقرارها، وتبحث عن الأمان المنشود، وذلك من حقّها وتلك فطرة في الإنسان، لكن ليس علينا أن نقتدي بها في تخبّطها وتيهها، بل كان من الأولى أن نوقد لها منارات الهدى لتقتدي بها وتعرف الطريق السويّ.. !

يقول الدّكتور عدنان علي رضا النّحوي في كتابه (الحداثة في منظور إيماني):

“ولكنّ الاصطلاحات توالت حتى لا تكاد تمسك لها بطرف أو نهاية، فجاءت البنائيّة والتفكيكيّة والتصويريّة، والنزعة الإنسانيّة، والسيميولوجيّة، وامتدّت المدارس والمذاهب، كلّ مدرسة تنعي سابقتها. ثمّ جاءت “الحداثة” من الغرب، من أمواج ظلامه، لترفض كلّ قديم، كلّ حاضر، وتفلّت العنان في بيداء واسعة، دون ركائز من تاريخ وعقيدة وسنن “1

يبدأ الأمر  بكلام منمّق جميل: (تجديد.. حداثة..  ما بعد الحداثة.. موت المؤلّف موت النّصّ، موت القارئ.. ).

هذا التخبّط أصله الحيرة والتيه لعدم وجود عقيدة راسخة ينطلق منها هؤلاء المبدعون والمفكرون، ويأتي إمّعات عندنا ويزعمون أنّ الإبداع لابدّ أن يكون بعيدا عن الإيديلوجيا والدّين، وكلّ النظريّات الأدبيّة الغربيّة انطلقت من أيدلوجيات أو عقائد دينية (محرفة)، ومن حقّ الإنسان الغربي أن يبحث عن الملاذ المفقود، لكن هل من حقّ أبناء جلدتنا أن يسلخونا من جلودنا..؟ !

1 –  الدّكتور عدنان رضا النحوي في كتابه (الحداثة في منظور إيماني) ص 19، الطبعة الثالثة، دار النّحوي للطباعة والنّشر عام1989م

عبد الله لالي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق