العمود

تربية أمثل من أجل دولة قوية

وجب الكلام

إن الدولة كيان لابد من أن يكون محترما ومقدسا، والدولة أيضا عبارة عن مؤسسات لا يفترض أن تحيد أي منها عن مهمتها الأساسية أو أن يشل دورها، وأنه يجب على مؤسسات الدولة أن تسير من أجل غاية واحدة وهي تحقيق التكامل، أي كأسس وأعمدة تحفظ الدولة وتضمن قيامها وتحميها من السقوط، وأن المؤسسة التي يفترض أن تعنى بمهمة إيصال هذه الفكرة إلى الفرد الجزائري هي المؤسسة التي أوكلت إليها مهمة تنشئة الفرد الجزائري وتربيته وتعليمه.
من بين المشاكل الجوهرية في الجزائر أننا ابتعدنا عن التفكير في كون المدرسة فضاء للتربية أكثر منه فضاء للتعليم، وأصبحنا نفكر بمنطق أن المدرسة مجرد مكان لتلقين التلاميذ دروسا في اللغة والرياضيات ونسينا أو بالأحرى تناسينا بأن المدرسة مكان أيضا لاستكمال مهمة الأسرة إن صلحت وتقويمها إن فشلت، أي أنه يفترض على المدرسة أن تكون بمثابة مكواة لتجاعيد العقل والنفس لدى الطفل.
المشكلة اليوم هي أن المدرسة الجزائرية للأسف قد حادت عن دورها في التنشئة العقلية والنفسية والروحية للطفل، ولا نرى سببا في ذلك سوى عدم تحديد الهدف من طرف الوصاية، أي أنه لا توجد آليات توجه المعلمين والمسؤولين في مختلف المؤسسات التربوية إلى الهدف، بل إن معظم القوانين والتعليمات تصب في إطار مهمة واحدة وهي “حشو العقول” بشتى الوسائل والطرق والأساليب حتى لو كان ذلك على حساب الصحة النفسية للتلاميذ، بل إن المشكلة الأكبر التي زعزعت كيان المدرسة الجزائرية نراها تكمن في تكريس الطبقية والتمييز بين التلاميذ، حيث أن من بين الظواهر السلبية المتفشية في كل الأطوار أن يطلب الكثير من المعلمين من التلاميذ تسجيل مهنة الأب في ورقة، في حين كان يفترض أن تقوم الوصاية بمنع مثل هذا الأمر دحرا لإحراج البعض ومنعا لبعض المعلمين من التملق لبعض التلاميذ، ومن الظواهر السلبية أيضا أن تخضع المدرسة الجزائرية لمنطق “المعريفة” والأكتاف، حيث أن كثيرا من التلاميذ باتت ترتسم في أذهانهم فكرة أن المعلم الفلاني يفضل التلميذ الفلاني وأن المعريفة ومكانة الوالدين هي من تحدد مستقبل التلاميذ فعشش اليأس في نفوس الكثير من التلاميذ منذ البداية وربما منذ اليوم الأول في المدرسة.
الحل اليوم يكمن في فرض النظام والانضباط في المدرسة الجزائرية من أول يوم في المدرسة وحتى في سائر الأيام، لا تمييز فيها لتلميذ عن الآخر بناء على مهنة الأب أو مكانته الاجتماعية، وكمثال، كان يفترض على مدراء المؤسسات التربوية في كامل القطر الوطني أن يعينوا مكان كل تلميذ في القسم بناء على حالته الصحية وبناء على ترتيبات قبل الدخول المدرسي تراعى فيها كثير من الشروط، كأن يشترط على الأولياء أثناء تسجيل أبنائهم في السنة الأولى إرفاق الملف البيداغوجي بملف طبي للتلميذ، وبناء على ذلك تحدد أماكن التلاميذ في القسم وتسجل أساميهم على الطاولات كي لا يتطاول أحد منهم على الآخر وكي لا تكون لأب حجة على مسؤولي المؤسسة إذا ما قرر تكريس منطق “ولدي خير من أولادهم”.
لو أن مؤسساتنا التربوية تفرض النظام والانضباط من أول يوم في المدرسة فإننا سنرى نتائج ملموسة في تغير ذهنية التلاميذ، وبالتالي ذهنية الأجيال القادمة من أجل دولة يسودها النظام ويسيرها “قادة” لا عصابات.

حمزة لعريبي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق