إسلاميات

تربية النفس على الإيمان والاحتساب والإخلاص

رمضان معين الخيرات..

من معين رمضان.. التقوى.. يقول ابن عاشور رحمه الله عن سبب ختام آية الصيام الأولى بقوله: ﴿لعلكم تتقون﴾: بيان لحكمة الصيام وما لأجله شرع ، فهو في قوة المفعول لأجله ، والتقوى الشرعية هي اتقاء المعاصي، وقد قال أبو هريرة – رضي الله عنه -: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم: ” الصيام جنة ” أي : وقاية تتقى به الآفات والمخاطر.

فهل من استهان بالمحرمات كالغيبة والنميمة حقق التقوى ونهل من معين رمضان .. كيف وقد قال صلى الله عليه وسلم : كما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه ( من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ) رواه البخاري.

و ( رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش ، ورب قائم حظه من قيامه السهر ) رواه أحمد.

قال جابر بن عبد الله الأنصاري : إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب ، والمأثم ، ودع أذى الخادم ، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك ، ولا تجعل يوم فطرك ويوم صومك سواء .

وهل حقق التقوى ونهل من معين رمضان من تساهل في النظر إلى المحرمات؟..فمعصية النظر إلى المحرمات تحيط بنا من كل جانب ، فبيوتنا مليئة بها ، وهي في غرفنا، وفي جيوبنا لا تفارقنا أبدا، فهل نعلن انتصارنا على النظر إلى المحرمات، ونوجد الوسائل الحافظة لأبصارنا ، لتصح قلوبنا، وتستقيم أحوالنا، ونجد لذة في عبادتنا، وحلاوة في مناجاة ربنا؟.

إن الله تعالى قد أمرنا بغض الأبصار في رمضان وغيره، ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم﴾ ، وفي آية أخرى ﴿وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن﴾، يقول أبو الحسين الوراق رحمه الله تعالى: من غض بصره عن محرم أورثه الله بذلك حكمة على لسانه يهدي بها سامعوه ومن غض بصره عن شبهة نور الله قلبه بنور يهتدي به إلى طريق مرضاته .

علق على ذلك الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى فقال: وهذا لأن الجزاء من جنس العمل، فإذا كان النظر إلى محبوب فتركه لله عوضه الله ما هو أحب إليه منه، وإذا كان النظر بنور العين مكروها أو إلى مكروه فتركه لله أعطاه الله نورا في قلبه وبصرا يبصر به الحق.

ومن معين رمضان.. تربية النفس على الإيمان و الاحتساب والإخلاص إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه : “من صام رمضان إيمانا  واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه “.

قال الإمام النووي رحمه الله : معنى إيمانا: تصديقا بأنه حق مقتصد فضيلته، ومعنى احتسابا، أنه يريد الله تعالى لا يقصد رؤية الناس ولا غير ذلك مما يخالف الإخلاص.

ومن معين رمضان.. الارتباط بالله وكثرة الذكر والدعاء وقراءة القرآن .. ولا أدل من ذلك أن الله تعالى ذكر في آيات الصيام قوله : ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾ فالجملة معطوفة على الجمل السابقة المتعاطفة أي { لتكملوا العدة ولتكبروا . . . ولعلكم تشكرون ، ثم التفت إلى خطاب النبي صلى الله عليه وسلم وحده لأنه في مقام تبليغ فقال : ﴿وإذا سألك عبادي عني﴾ ، أي العباد الذين كان الحديث معهم ، ومقتضى الظاهر أن يقال ولعلكم تشكرون وتدعون فأستجيب لكم إلا أنه عدل عنه ليحصل في خلال ذلك تعظيم شأن النبي بأنه يسأله المسلمون عن أمر الله تعالى ، والإشارة إلى جواب من عسى أن يكونوا سألوا النبي عن كيفية الدعاء هل يكون جهرا أو سرا ؟

وليكون نظم الآية مؤذنا بأن الله تعالى بعد أن أمرهم بما يجب له عليهم أكرمهم فقال : وإذا سألوا عن حقهم علي فإني قريب منهم أجيب دعوتهم.

وأما القرآن في رمضان فذاك شأن لعباد اختارهم الله تعالى ليرفعهم بهذا القران العظيم .. بعض الصالحين رحمهم الله يختم كل ثلاث في رمضان، وبعضهم كل يومين، بل نقل عن الشافعي رحمه الله ستون ختمة في رمضان واحدة في الليل وواحدة في النهار ، وقيل كان الإمام ابن عساكر يحاول اللحاق بالشافعي رحمهما الله فاعتكف بالمنارة البيضاء فلم يستطع أن يختم إلا تسعا خمسين ختمة.

‏القرآن يسير على من يسره الله عليه ، من المعاصرين من أصحاب الهمم العالية من يختم حدرا في حوالي ست ساعات في الأوقات الفاضلة.

وورود النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث (ليال) المقصود به المداومة على ذلك، فأما في الأوقات والأزمان الفاضلة فيستحب الإكثار وهذا قول أحمد وإسحاق.

من معين رمضان.. التربية على سخاء النفس بالإحسان والصدقات وتفطير الصوام ..كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل، وكان جبريل عليه السلام يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة.

يقول ابن القيم رحمه الله :كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم الناس صدقة بما ملكت يده، وكان لا يستكثر شيئا أعطاه ولا يستقله، وكان عطاؤه عطاء من لا يخشى الفقر، وكان سروره وفرحه بما يعطيه أعظم من سرور الآخذ بما يأخذه..إلى أن قال رحمه الله: إذا فهمت ما تقدم من أخلاقه فينبغي على الأمة التأسي والاقتداء به في السخاء والكرم والجود ، والإكثار من ذلك في شهر رمضان لحاجة الناس فيه إلى البر والإحسان ولشرف الزمان ومضاعفة أجر العامل فيه.

د.صغير بن محمد الصغير

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق