مواسم البوح

تشبث

قصّة

ها هو ينظر من جديد إلى الطبق الشهي المملوء تمرا، يتراقص أمامه بأبهة وسلطنة، حباته لا تحتاج إلى إشهار، ولا إلى موسيقى ترافقها أثناء الجلسة الخلوية الخاصة، فهي من تصنع الأجواء الندية.. يضع رجلا على أخرى، ويتكأ ملقيا برأسه إلى الخلف إلى أن تسنده وسادة صغيرة متضايقة من هذا الحصار المضروب عليها من قبل قفا ملت حملها سنوات عديدة، لا القفا تجددت، اللهم إلا بعض الشعرات البيضاء، ولا ما بداخلها تغيّر، ولا الوسادة دعمت بحشو جديد ، وكلّ في الملل يسبحون .

ينظر إلى الطبق فتصطاده أحسن تمرة، تسلب لبه كأول نظرة حب في حياته، يلتقطها بسرعة، ويديرها بين يديه ببطء و بكبرياء آني، كأنه يريد خطبتها، ثم يضعها بلطف في فمه، دون أن يأذن بعدُ للمصنع الشره بأن يبدأ في التحطيم، ينتظر قليلا، لا يريد إزعاجها، يترك لها فرصة التأقلم والتهيؤ، لكن يكون أقسى من أولئك الذين يمنحون للمحكوم عليه بالإعدام فرصة لآخر أمنية.. هي لحظات نادرة في حياته أن يصفو الخاطر من أي انشغال سوى المتعة.. يترك ماكينة السحق تبدأ عملها مغلّفة بقناع ناعم مكسو بملامح إنسانية راقية.. ما هي إلا لمحة حتى يفرغ هذا الفم، وتشتغل الذاكرة في استرجاع ذكرى اللذة، فتطلب المزيد لتنتعش أكثر، ثم يترك لعينيه الحرية في تفحص الطبق، تزدهي إحداهن.. هي كصاحبتها، يمكن أن تكون أقل منها جودة ويمكن أن تكون أكثر، ولكن الأكيد أنها ليست الألذ، الطعم الأول أصبح هو المرجعية، تتزحلق متأودة مهشمّة في الحلق تاركة وراءها زغردة مدوية.. نعم هي كذلك وأكثر، ولكنها ليست مثل الأولى، يبحث عن الثالثة، إنها متقاربة في الجودة، ولكنها أقل طعما، وهكذا يبدأ في اختيار الأفضل من المتبقي الذي هو أقل نوعية، إلى أن يصل إلى حبات رديئة، فيخاطب نفسه :

ـ هل من المعقول أن أضطر إلى أن أنزل إلى هذا المستوى؟

يقطع عليه تفكيره هذا شريط عاجل في التلفاز المخروس، يدير وجهه، فلا شيء يدعو إلى الاستعجال أمام هذا الجو، كان لابد أن يبدل القناة حتى لا يحرج في حال أعلن إضراب عن الطعام من قبل السجناء الفلسطينيين، يهتز الهاتف النقال الصامت كصوفي وسط الحضرة، فلا يلتفت إليه، مهما تتفاقمت الأوضاع فلن يدق أحد على باب داره ليخرجه منها بالقوة، لن يكون هناك خبر أسوء مما مر عليه في حياته، فوالداه ميتان، ليس لديه إخوة، وقد ألف العزوبية منذ زمن بعيد، شعاره دائما (لا تملك شيئا يعني لا ترتبط بشيء وهي تساوي صفر مصائب وصفرين مخاوف).

يتدحرج في انتقاء الأقل رداءة، إلى أن لا يبقى في الطبق إلا النوى، ليس من عادته أن يأكل النوى، وليس من طبعه أن يخلط أكثر من طعم واحد في جلسة، لذلك يبقى برهة من الزمن حائرا بين أن يغامر مرة أخرى في تجربة شبع شهية، وبين قضاء ما تبقى من هذه الفسحة على ذكرى الحلاوة الفارطة، يميل إلى أن الطبق الثاني سيفسد الأول، لذلك يكمل غفوته، يسبح في عالم فسيح، ثم يبدأ يصل إلى أذنيه دق الباب شيئا فشيئا إلى أن لا يملك إلا أن ينتفض لتصاعد شدة ..يصل متأخرا، يجد رسالة تحت الباب، يفتحها مندهشا، فهذه أول مرة تصله رسالة عن غير عنوان الصندوق البريدي، يقرأها :أسرع.. الحق جنازتك التي تقام في هذه اللحظات، دقائق وسيتفرقون عن قبرك..

وفيما هو يستعد للخروج يلاحظ الشريط العاجل الذي يبث على التلفاز ويرى الجنازة مباشرة، يرى كل من يعرفهم يبكون ،لم يجد نفسه بينهم، فعرف أنه فعلا صاحب القبر، فرح فرحا شديدا أول الأمر.. ولكنه بعد أن تفقد المكان جيدا، صاح غضبا:

الحمقى.. ألم أخبرهم ألف مرة أنني لن أوقع على عقد الرحيل دون طبق التمر.. لن أوقع.. لن أوقع بدونه.

عبد القادر صيد ـ بسكرة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق