العمود

تصفيات الحراك

وجب الكلام

هناك عبارة شعبية متداولة في ثقافتنا حيث يقال “كيما اللي يشنف في العرس”، ويعود أصل هذه العبارة إلى شخص كان كثير التظاهر بالغرور والتكبر والتعجرف، رغم أنه كان أشعب زمانه لا يفوت مناسبة أو عرسا إلا ويصر على حضورها أو حضوره، والفرق بين أشعب وبينه هو أن الأول يذهب بغرض الأكل والثاني يذهب بغرض لفت الانتباه، فقد كان يصر في كل مناسبة على الانعزال والبقاء وحيدا ليقترب منه أهل البيت الداخل إليه أو منظمو المناسبة الحاضر إليها فيترجوه لأن يجلس على مائدة الغداء أو العشاء كنوع من الكرم من طرفهم فيكابر ليظهر على أنه “ذا شأن وقيمة”، فحدث مرة ما لم يكن في الحسبان وحضر إلى عرس فأراد أن يمارس غروره وتعجرفه وتكبره فانعزل مرة أخرى بعيدا عن الحضور وقضى ساعة وساعتين وثلاث وهو ينتظر اقتراب أحد منه ليترجاه فنام وهو جالس وعندما استيقظ وجد نفسه وحيدا في مشهد مخزي حيث لم يعره أحد اهتماما وحدث معه ما تجسده عبارة “طاح في اللي ما يكرديش”، وأصبح يقال بعد هذه القصة “كيما اللي يشنف في العرس”.
أظن أن بعض الجزائريين سيحدث معهم بعد مدة ما حدث مع الرجل المغرور، فالحراك في أول يوم له كان الشعب فيه متفق على مطالب موحدة وهدف أساسي بارز وهو التخلص من بوتفليقة الذي كاد يورث الجزائر لأخوته فيمهد لنظام ملكي، وكان الهدف الأساسي التخلص من هاجس التوريث وإنهاء وصاية العصابة على مفاصل الدولة، وعندما تحقق المطلب الرئيسي استغل البعض الأمر ورأوا بأن الأمور تسير في صالح الشعب فأخذوا يحرضون الجزائريين على التمادي في المطالبة بالمزيد وأصبح الحراك بعد أن كان نعمة أصبح كجهنم مبدؤه “هل من مزيد؟” فلم يعد الكثير من الجزائريين يرضون بما تقترحه السلطة للخروج بالبلاد من الأزمة، ونقول الأزمة لأن الحقيقة هي أن الحراك لم يعد حراكا بل “سركا” لما شهده من تشعب في المطالب وتعفن في الطريقة التي يتظاهر بها بعض الجزائريين خاصة في المناطق التي استولى عليها “التبع” ومن “لا دين لا ملة” لهم، وما لاحظته شخصيا وما أنا متأكد منه هو أن رئيس الدولة عبد القادر بن صالح ليس راضيا وليس مرتاحا تماما بمنصبه، وأحس في أغلب الأحيان بأنه يتمنى لو أن قرار الاستقالة بيده، فهو لم يعد بحاجة لمنصب بقدر ماهو بحاجة لأن يخرج من الباب الآمن بتسليم السلطة بطريقة دستورية ورغم ذلك فالكثير من الجزائريين لم يفهموا ذلك وراحوا يغترون “بعددهم” في الشوارع ولم يرضوا بأي حل بل ولا يرغبون في قبول أي حل من السلطة حتى لو كان منطقيا وواقعيا، وما أراه قريب الحدوث هو أن من يفكرون بصوت العقل من الجزائريين وهم كثر سوف لن يقبلوا بأن يكونوا وسيلة لجر البلاد إلى ما لا يتماشى مع الدستور ولجرها إلى ما لا يرضاه عاقل على بلاده وسيرضون بأول حل منطقي من شأنه إخراج البلاد من الأزمة بأقل الأضرار ولن يبق في الشارع سوى شرذمة ممن يحملون أحقادا وضغينة اتجاه المؤسسة العسكرية وبالتالي اتجاه الدولة والوطن وسيحدث معهم ما حدث مع “المشنف في العرس”، فالتجاهل دواء الغرور خاصة لأشخاص “ما يعجبهم العجب”.

حمزة لعريبي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق