إسلاميات

تغيير الذات أساس كل تغيير وجوهر التحول من حال لآخر

قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} سورة الرعد الآية 11

إن إحدى مهمات الرواد في الأمة، وهم الأكثر حساسية تجاه المتطلبات المتجددة للحياة المعاصرة: هي تغيير المجال الإدراكي لوعي المجتمع، بإعادة ترتيب الأولويات، وتصحيح التصورات، والتذكير بالأمور المنسية، وشحذ أذهان النَّاس تجاه القضايا المحوريَّة في حياة الأمة، أي: تربية الإنسان المؤمن بالتغيير، بهدف استئناف حياة إسلاميَّة بشتَّى الجوانب.

فالتفكر والتدبر والنظر إلى المستقبل هو الذي يغذي الحماسة للتغيير واتقاء سوء العاقبة، والتغيير دائمًا ينطوي على قدر من المشقَّة؛ ولكن حلاوة النصر على النفس ونشوة اجتياز العقبات تنسي المرء طعم المعاناة، وهو ينتظر إضافة إلى ذلك من الله حسنَ العاقبة.

وسلامة العقيدة سبيل وضوح الرؤية، وسبب البحث عن نظام الكون وسننه، فصاحب العقيدة والمبدأ يسترشد بعقيدته ومبادئه في صياغة أهدافه؛ حيث يتمُّ توصيف الهدف من خلال موقع هذا الهدف في منظومة الإنسان العقديَّة، فبالنِّسبة للمؤمن تكون مرجعيَّة التَّوجيه والتَّسيير – أي: تحديد الأهداف – في سياق التَّغيير الشَّرعيِّ لتَحقيق الغاية الشَّرعية – هي الوحيَ، وتحديد وتحرير مصدر التَّلقي ومرجعيَّة التَّوجيه هو قاعدة الانطلاق الأولى في مسيرة التَّغيير، وهو الذي يكفل انطلاق التَّغيير من الثَّوابت التي فيها مصالح الأمَّة الدُّنيويَّة والأخرويَّة.

ولقد علَّمنا القرآن أن تغيير الذَّات هو أساس كلِّ تغيير، وأنَّ تغيير السُّلوك والمواقف يمكن أن يؤدِّي للتغيير، حتَّى في أحوال الطَّبيعة، نلمس هذا في قوله – تعالى -: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} [نوح: 10 -12].

وفي قول الله – تعالى -: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11] دلالة واضحة على أنَّ تغيير النَّاس من مشاعرهم وأعمالهم وواقع حياتهم سبب لتغيير الله ما بهم، وَفْقَ ما صارت إليه نُفُوسهم وأعمالهم، وإن كان الله يعلم ما سيكون منهم قبل أن يكون؛ ولكن ما يقع عليهم يترتَّب على ما يكون منهم، ويجيء لاحقًا له في الزَّمان بالقياس إليهم.

فقد قضت مشيئة الله وجرت بها سنَّته أن تترتَّب مشيئة الله بالبشر على تصرُّف هؤلاء البشر، وأن تنفذ فيهم سنَّته؛ بناءً على تعرُّضهم لهذه السُّنة بسلوكهم.

فالتغيير الذي ينبغي أن يحدث أولا هو التَّغيير الذي جعله الله مهمة القوم وواجبهم، والمراد بما بالأنفس يعني: الأفكار، والمفاهيم، والظُّنون، في مجالي الشُّعور واللاشعور.

ومن المفارقات أننا نتطلع لتغيير الواقع بشوق دون أن يخطر في بالنا أن ذلك لن يتم إلا إذا حدث التَّغيير بما بالأنفس، هذا ونحن مطمئنون إلى ما بأنفسنا، ولا نشعر أنَّ ما فيها هو الذي يعطي حق البقاء لهذا الواقع الذي نريده أن يزول، ونحن نشعر بثقلِ وطأته علينا؛ ولكن لا نشعر بمقدار ما يُسهمه ما في أنفسنا؛ لدوامه واستمراره.

وهذه الصِّفة التي يثبتها الله – تعالى – للنَّفس، من إمكانية أن يغيِّر النَّاس ما بهذه النُّفوس – هي من صنع الله ومن إلهامه، وتتولد من الأفكار التي يضعها البشر بالنَّفس، صفات تتعلَّق بالقوم، وهذه الصِّفات أيضًا من خلق الله – تعالى – كالغنى والفقر والعزَّة والذلَّة… فالله جعل للإنسان سلطانًا على تغيير ما بالنَّفس، الذي هو مجال جهد الإنسان.

وفي الآية إشارة إلى أنه ليتحقَّق التَّغيير لا بدَّ من تغييرين: تغيير القوم، وتغيير الله، لا بدَّ من توفرهما معًا، وملاحظة الارتباط بين التَّغييرين، وتمكُّن الإنسان من استخدام سنن التَّغيير، يعطي للإنسان سيطرة على سنَّة التَّاريخ، وسيطرةً على صنعه وتوجيهه.

كما لا بد من أسبقية التَّغيير الذي يحدثه القوم؛ لأن بين هذين التغييرين ترابطا، فإذا وقع التغيير الذي يخلقه الله، دل ذلك قطعا على أن التغيير الذي يقوم به القوم قد سبق أن حدث؛ لأن الله – تعالى – اشترط هذه الأسبقية، كما أنه إذا تحقق التَّغيير الذي يقوم به القوم، فإنَّ التَّغيير الذي يخلقه الله سيتمُّ على أساس وعد الله – تعالى – الذي لا يخلف الميعاد وسنَّته التي لن تجد لها تحويلاً.

وهذا يقودنا إلى ضرورة من ضرورات الرُّؤية الإسلامية في المجتمع المسلم بأنَّ مهمَّة الفرد المسلم لا تقتصر في هذه الحياة على تغيير أحواله، وإنَّما تتعداها إلى ضرورة تغيير أمَّته، وإصلاح أحوال مجتمعه عن طريق الأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر، وبذل النُّصح للمسلمين، وتطهير الحياة الاجتماعية من الشَّرِّ والفساد، وقد أثنى الله – تعالى – على هذه الأمة بقوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110].

وفي “صحيح البخاري” من حديث ‏ ‏النُّعمان بن بشير – ‏‏رضي الله عنهما – عن النَّبي – ‏ ‏صلَّى الله عليه وسلَّم -‏ ‏قال: ((مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مرُّوا على من فوقهم، فقالوا: لو أنَّا خرقنا في نصيبنا خرقًا، ولم نؤذِ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا، هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم، نَجَوْا ونجوا جميعًا))‏.

وفي السُّنن من حديث قيس بن حازم قال: قام أبو بكر – رضي اللَّه عنه – فحمد اللَّه وأثنى عليه، ثمَّ قال: يا أيُّها النَّاس، إنَّكم تقرؤون هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: 105]، وإنَّا سمعنا رسول اللَّه – صلَّى الله عليه وسلم – يقول: ((إنَّ النَّاس إذا رأوا المنكر لا يغيِّرونه، أوشك أن يعمَّهم اللَّه بعقابه))؛ رواه أصحاب السنن إلا النسائي، واللفظ لابن ماجه.

وسئل حذيفة بن اليمان – رضي الله عنه – عن ميت الأحياء، فقال: “الذي لا ينكر المنكر بيده ولا بلسانه ولا بقلبه”.

ويقودنا هذا بدوره إلى حيثيَّة أكثر عمقًا، وهي أنَّ وعي المجتمع قائم على عمليَّة توازن دقيقة، وكل فرد فيه له ثقله في هذه العمليَّة، بشكل يشبه إلى حد بعيد توازن الطَّائرة الشِّراعية في الجوِّ، فلولا أنَّ كلاًّ من مكوِّناتها محسوب بدقَّة، من حيث وزنُه وموضعه لاختلَّ توازنها، سوى أنَّ المجتمعَ ذاته هو الذي يقوم بتنظيم وعيه، من خلال اعتبار كلِّ فرد مسؤولاً، على قدر ما أوتي من إمكانات ومواهب.

فالسر البديع في هذه الآية الكريمة أنها لم تهمل أحدا في سياق مشروع التغيير، ولم تستثن أحدا من مسؤولية التَّغيير، فالكل له حق تلقي التَّوجيه، والكل عليه مسؤولية الاستجابة، بحسب ما هو فيه من موقع ومقدرة وتوفيق من الله تعالى.

أحمد بن محمود الداهن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق