العمود

تكلم حتى يمد أطرافه

وجب الكلام

عندما قال سقراط لأحد تلامذته الذي جاءه متبخترا متعجرفا “تكلم حتى أراك” ما كان يرجو سماع صوته بقدر ما كان يرغب في اكتشاف معدنه ومقارنة مدى وعيه مع درجة تعجرفه وتكبره، وكان يرغب في قياس قوة فكره وجودة تفكيره، فهو لم يقل تكلم حتى أسمعك، ولا تكلم حتى أفهمك، بل قال تكلم “حتى أراك”، لأن للكلام في نظر الفيلسوف اليوناني علاقة بهيئة الشخص وكيانه كإنسان ووجوده ككائن ذو عقل وحكمة، هذا وقد حدث مع الفقيه والعالم المسلم “أبا حنيفة النعمان” عندما كان في مجلسه مع تلامذته يحدثهم بمواقيت إفطار الصائم نفس الموقف، فقد كان بينهم تلميذ حسن المظهر كان الفقيه قد ثنى رجليه عند دخوله احتــــــراما له، لكن ما لبث التلميذ حسن المظهر أن نطق وطرح سؤالا غبيا على الفقيه والعالم قـــــائلا: “وإذا لم تغرب الشمس يا شيخ، ماذا يفعل الصائم”؟ حينها نطق أبو حنيفة النعمان وقال عبارته الشهيرة “آن لأبي حنيفة أن يمد رجليه”، معبرا عن خيبة أمله في شخصِ من كان يكن له الاحترام بسبب مظهره الوقور والذي تكلم فظهر على حقيقته.
ما حدث مع سقراط ومع “النعمان” هو نفس ما حدث معي وأنا أتابع تصريحات وخطابات بعض المترشحين الجدد منهم وأصحاب الخبرة في “التهريج” لعلي بذلك أغير رأيي في المهرجين أو اكتشف “فكرا جديدا، وبرنامجا جديدا وفلسفة جديدة”، لكن ما حدث هو أنه قد زاد ازدرائي بالمهرجين واحتقاري لفلسفتهم بعد أن صاغوها على أساس احتقارهم لأنفسهم، فطويت صفحة المهرجين لأن لا أمل فيهم يرجى ولأن من شب على التهريج والحماقة شاب عليهما، وفتحت صفحة بعض المترشحين الجدد الذين لم يكن الشعب الجزائري يعرفهم إلا بعد أن منحتهم بعض وسائل الإعلام “مساحة كبيرة من الاهتمام” وصورتهم على أنهم “المنقذون المثاليون” الذين بلغت درجة مثاليتهم لأن يمتنعوا عن أكل السمك لأنه يتغذى على لحم الحراقة.
تجردت من الذاتية وتحليت بالموضوعية لأنظر إلى المترشحين “الجدد” من خلال خطاباتهم بعين الصحفي، فجلست في وضع المتابع المحترِم بكل حيادية كي أتمكن من التقاط كل كلمة بالطريقة الصحيحة، ولأتفادى تشويش “القط” على تركيزي بخرخرته، لكن وبتتابع السقطات اللفظية والتي حاولت تقبلها الواحدة تلو الأخرى باعتبار أن “المسامح كريم” لمترشح صور على أنه “أقوى من الجيش” أتى ما لم يكن في الحسبان وغطس في “الرداءة” والتهريج عميقا لدرجة أنني لم أعد قادرا على تقبل المزيد من الحماقات بل وتشبعت حد التخمة بتفاهة الخطاب فالتفتت إلى “القط” معتذرا وقلت له، آن لك أن تمد أطرافك الأربعة وتطلق العنان لخرخرتك فهي أفضل بكثير من هترفة هؤلاء.

حمزة لعريبي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق