العمود

ثقافة من نوع آخر

بكل وضوح

يبدو أن الاحتجاج بعد الحراك قد أصبح له مفهوم آخر، ويبدو أيضا أن للحرية بعد الحراك مفهوم آخر في نظر الكثير من الجزائريين، حتى أصبحوا يمارسونها في غير محلها ويحتجون من أجل تحصيل حقوقهم بطريقة غير مشروعة ظنا منهم بأن الدولة في مرحلة الحراك هي دولة “خائفة” وأن للشعب حقا في فعل ما يريد بالطريقة التي يريد تحت مسمى “الاحتجاج لتحصيل الحقوق”.
غلق الطرقات الرئيسية خاصة منها الوطنية أمام الغير ظاهرة باتت مستفحلة في الجزائر، ففي حين كان الاحتجاج بغلق الطرقات قبل الحراك يتم بمعدل “احتجاجين” كل شهر أصبح اليوم يتم بما معدله “عشر احتجاجات في الأسبوع”، إضافة إلى انتشار ظاهرة غلق مقرات المؤسسات الرسمية بالإسمنت خاصة من لها صلة مباشرة مع المواطن كالبلديات ومراكز البريد وغيرها، وهذه الظاهرة لا شك أنها أصبحت في نظر الكثير من الجزائريين الذين يحملون فكر “البلطجة” أصبحت ثقافة، والتي أراها ثقافة من نوع آخر، وهي على الأرجح ثقافة من لا وعي لديه ولا ضمير أيضا.
ثقافة الاحتجاج التي تبناها الكثير من الجزائريين بعد الحراك تعبر بطريقة صريحة عن عيب من عيوب “الحرية” وعيب من عيوب السلطة المتراجعة والمتساهلة، وهي أيضا نتيجة من نتائج الانتقال المفاجئ من حالة خوف من السلطة إلى حالة استقواء وشعور بالتحرر، فالمواطنون الذين كانوا بالأمس القريب مكبلة ألسنتهم وجدوا أنفسهم يسرحون ويمرحون بكل حرية ويقررون ما يشاؤون في غياب تام للسلطة، وبدل أن تقوم السلطة بفرض عقوبات عمن يقوم بغلق طريق عمومي أو مؤسسة رسمية أخذت تسايره وتفاوضه وتحاوره حتى تكون في ظرف ستة أشهر في ذهن الكثير من الجزائريين ثقافة ألا حق إلا بغلق الطريق أو بغلق المقرات الرسمية وهذا ما شجع على انتشار من الظواهر التي لا تعكس أبدا حقيقة ما يتم تداوله من شعارات في “الحراك” كشعارات السلمية وشعارات مطالبة بدولة مدنية ولا شعارات “تدعي الرقي والحضارة”، لأن السلمية تنبع من السلام الداخلي للإنسان، أما أن يكون هناك استعداد داخلي دائم لغلق الطريق وابتداع طرق “شينة” للاحتجاج فذلك ما يعني أن ذهنيات الكثير من الجزائريين بحاجة لإعادة تأهيل من أجل أن تتناسب مع ما يتم رفعه من شعارات وما يتم المناداة به من مطالب.

عبد العالي بلحاج

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق