كتاب مسلسل

ثورة الأوراس 1916: التجنيد الإجباري ودوره في إندلاع الثورة الأوراسية ح 17

 الحلقة السابعة عشر

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أ. سمية حذفاني

بدأت حركة التمرد من طرف أولاد عوف، وانتشرت لتشمل سكان مستاوة وأولاد سلطان وتاكسلانت وبلزمة رافضة للتجنيد الإجباري، ووقوع مناوشات بين المسؤولين الجزائريين والفرنسيين في خنشلة وبسكرة وباتنة، نتج عن ذلك إرسال فرنسا وحدات من جيشها لأخذ المتمردين بالقوة للإنخراط في الجيش الفرنسي، وفي 2 فيفري 1916 اغتيل حاكم باتنة، ونتج عن ذلك إصدار عقوبات قاسية ضد 805 شخص، ومحاكمة 825 معارض، وتقديم 45 شخص للمحاكمة العسكرية في باتنة، وفرض غرامات مالية باهضة.

التراكمات السياسات التعسفية المطبقة من فرنسا والإضطهادات المتكررة، وزيادة حدة تطبيق قانون التجنيد الإجباري أفضى إلى إحتجاجات حول تطبيق القانون في بداية الأمر، لتصبح فيما بعد عمليات ثورية من طرف الرافضين والفارين للتجنيد، حيث انطلقت الثورة من مدينة عين التوتة يوم 11 نوفمير  1916 عندما تجمع سكان عين التوتة وبريكة في قرية بومعزاز، واتفقوا على الثورة ضد الإستعمار، وامتدت إلى مدينة بريكة ونقاوس، وضواحيها ثم بعد ذلك شملت بلزمة ومروانة، ومناطق الحضنة وتيمقاد وخنشلة وعين البيضاء، وتازولت وبوحمار وآريس، وامتدت إلى أولاد دراج بالمسيلة حتى أولاد أوجانة بخنشلة والحراكتة بأم البواقي، حيث شارك دواوير وأعراش تلك المناطق في الثورة بوسائل بسيطة متمثلة في بنادق صيد وبنادق حجرية عتيقة، واتخذوا الجبال والغابات مأوى لهم خاصة جبال مستاوة وأولاد سلطان ومتليلي، وقدرت نسبة مشاركة السكان مايقارب 70%، أبرز الشخصيات التي قادت الثورة: بن علي محمد بن النوي من منطقة عين التوتة، والمسعود بن زلماط من آريس، وبلوذيني محمد من سقانة، وعقيني عمر أو موسى من جبل مستاوة، مدعمين من طرف شيوخ الأعراش، كالشيخ أحمد بوهنتالة من عرش أولاد عوف، والشيخ  بوراضي محمد من بومقر، ورحماني محمد السعيد من عرش أولاد بشينة، وبوزيد الطالب من سريانة، اضافة إلى ذلك شارك أولاد سيدي سليمان في الثورة من خلال توفير الذخيرة والمؤونة والأسلحة للمجاهدين، كما اعتبرت منطقتهم قاعدة اسناد خلفية، وكانت بداية الثورة بحرق مقر دائرة عين التوتة، ومهاجمة برج ماك ماهون بمقر بلدية عين التوتة وتدميره، وقتل عدد من الفرنسيين، ومن أبرزهم رئيس دائرة باتنة “كاسينلي Kassinelli”، والمتصرف الإداري لبلدية عين التوتة “مرساي Marseille”، كما هجم الثوار والذي قدر عددهم بـ 1500 رجل مقر مسؤول الغابات قرب عين التوتة، وأضرموا النار في مزرعة المعمر فرانجي في بلدية بريكة، وقطع الخطوط التلغرافية بين نقاوس وبريكة، وقطع الطريق الرابط بينهما وتخريب الجسور والسطو على مزرعة المعمر رينال، والهجوم على مزرعة قريبة من نقاوس.

وفي إطار السعي إلى التحرر من الإستعمار ببناء جمهورية مستقلة عن فرنسا أذاع الثوار الخبر فتوجهت الادارة الفرنسية إلى نقاوس حيث كان التصادم بداية لانطلاق ثورة أولاد سلطان، وفي يوم 12 نوفمبر 1916 حاصر الثوار مدينة بريكة لمدة 24 ساعة، إلى غاية قدوم القوات العسكرية من نقاوس، وباتنة تم على إثرها فك الحصار، وهاجمو فرقة الزواف المتواجدة قرب سقانة في 14 نوفمبر من نفس السنة.

إمتدت الثورة إلى بلزمة حيث هاجم المجاهدون في واد الماء قافلة عسكرية، واستولوا على ما كانت تحمله من عتاد عسكري، واغتيال بعض المعمرين، ترافقت استمرارية الهجوم على المستوطنات بإرتفاع عدد الثوار، وانضمامهم في شكل مجموعات بقيادة أحمد زلماط، والصالح بن مزيان المدعو بومصران في منطقة آريس.

وفي 20 نوفمبر 1916 وقعت معركة في مكان يدعى دادا سليمان بأولاد بشينة بمشاركة الأعراش كلهم مات ما يفوق مائة جندي فرنسي، كما وقعت معركة في شعبة تارشيوين إستشهد فيها ثلاثة جنود من أولاد بيطام، كما عرفت دشرة الشيخ عمر بن المسوس الفاطمي في مكان يطلق عليه أنزا محمد معركة دامية استشهد فيها عدة أشخاص.

وانتقلت الثورة إلى عين مليلة، وعين كرشة وعين فكرون بمعارضة تسليم أبنائهم للتجنيد، وامتدت الثورة لتصل إلى الأهقار حيث ثار التوارق ضد المحتل الفرنسي، وقتل “شار ديفوكو” الجاسوس الفرنسي في 1 ديسمبر 1916 مستعملين أسلحة انتزعوها من الجنود الإيطاليين في حربهم بليبيا، وحاصروا المركز العسكري الفرنسي المتواجد  في جانت، واقتحام حصن بولينياك بإيليزي في 24 مارس 1916 إلّا أن فرنسا استرجعته بعد معركة دامية.

لكن هذا لم يثبط عزيمة الثوار الذين هاجموا جيش الزواف وحرروا مجموعة الشباب الذين تعرضوا لقانون التجنيد الإجباري، وكان رد القوات السنغالية بهجوم مضاد نظرا لرفض الجزائريين للتجنيد الإجباري، حيث قدم ثوار بريكة تقريرا مفاده لن يقدموا لا مجندين ولا عمالا ولن يوقفوا الفارين، نتيجة لذلك أخرجت فرنسا كتيبتين متكونتين من قوات سنغالية وزواف وجنود من الألزاس واللورين، وتعززت بقوات المشاة لمحاربة الثوار والقيام  بعمليات تمشيط  للمناطق الثائرة بمشاركة الطائرات وإستخدام القنابل مستهدفة الجبال التي اتخذها الثوار مخابئ لهم كجبال مستاوة وبلزمة، فضلا عن القيام بعمليات التفتيش وتطويق وتمشيط منطقة أولاد سلطان تحت قيادة العقيد ديلوم، وكانت بداية التفتيش من جبل الرفاعة بتاكسلانت، وجزء من جبل بواراي، وكتيبة غطت سهل ماركوندة وصولا الى تينباوين وشعبة أولاد سي سيلمان ودوار أولاد حمود وثاقليعت، أما الكتيبة الثالثة فقامت بعملية مسح لجبل أولاد سلطان إنطلاقا من جبل تافرنت وبير أولاد عوف لتلتقي الكتائب التي انطلقت من نقاوس في تفتيش أولاد رحاب إلى دوار سفيان، ومن ثم بريش، فضلا عن توجه قوات أخرى نحو جبل كنزرية وجبل أولاد عوف الذي يعتبر مركز المقاومة، كما تم تمشيط مرتفعات مستاوة والشلعلع، وتمركز فرق من الفرسان في سفيان وبومقر ونقاوس وتينياوين وفي سقانة وبريش لمنع الثوار من الخروج، وإعادة فتح الطريق الذي أغلقه الثوار، والذي يربط بين مروانة وباتنة، وفي 15 ديسمبر 1916 أعلن قائد القوات الفرنسية بأن جبل مستاوة تم تنظيفه، وسوف تنتقل القوات الفرنسية إلى سهل بلزمة لموصلة البحث عن جيوب المقاومة.

إضافة إلى عملية المسح والتمشيط تم اعتماد سياسة الأرض المحروقة، وكانت نتائجها كارثية لسكان الأوراس إذ حرقت المنازل، وتم إبادة الشيوخ والأطفال والإضطهاد والتقتيل الجماعي، فضلا عن المحاكمات العسكرية، وتم تسجيل 5000 شخص محكوم عليه بالإعدام، وتعويض خسائر فرنسا المقدرة بـ 11315155 فرنك، مما أدى إلى تنامي ظاهرة الهجرة حيث وصل عدد المهاجرين الأوراسيين إلى 1000 مهاجر سنة 1929.

وبالرغم من سياسة التمشيط والتصفيات لم يمنع من تواصل هجوم الثوار على المستوطنين في ديسمبر 1916 تحديدا في سقانة، الأمر الذي طالب الجنرال “بونيفال” قائد العمليات العسكرية بتمديده بقوات جديدة إذ تم سحب 6000 رجل من جبهة القتال في أوروبا، واستقدام كتيبة في مدفعية الجبال في تونس، والكتيبة 53 السنغالية من بسكرة، وفرقة من الفرسان وطائرات فارمان من تونس، وقصفوا القرى والمداشر، إضافة إلى الإستعانة بالفصائل المنتشرة في مروانة ورأس العيون، وعين التوتة وواد الماء ليكون تاريخ 17 أفريل 1917 نهاية ثورة الأوراس.

كان لرفض التجنيد الإجباري أثر على رد فعل فرنسا العنيف بإستعمال القوة في التجنيد للقتال أثناء الحرب العالمية الأولى، نتيجة لذلك تمكنت من تجنيد فئة كبيرة أغلبها من الفلاحين العاطلين عن العمل والعمال المزارعين، حيث ارتفع عدد المجندين مقارنة بالسنوات الأخرى إذ سجل 75 مجندا سنة 1914 ليصل إلى 419 مجندا سنة 1916.

وبالرغم من النتائج الكارثية التي أدت إليها المشاركة في الحرب العالمية، حيث بلغت حصيلة القتلى حوالي 76 ألف أما عدد الجرحى فقدر عددهم بـ 82 ألف، إلا أنها عادت ببعض الإيجابيات على الصعيدين السياسي والعسكري؛ ومن بينها:

أفضت هجرة اليد العاملة الجزائرية 1914-1919، ومشاركة عمال المناجم في الحرب العالمية الأولى إلى الإحتكاك بالمجتمع الفرنسي والإطلاع على الإتجاهات السياسية، وخلق ذهنية جديدة بالإنخراط في النقابات العمالية الفرنسية، والدخول في الحزب الشيوعي الفرنسي، وتنمية روح التضامن، ومعرفة حق الشعوب في تقرير مصيرها، والمطالبة بإلغاء جميع قوانين التمييز العنصري وتشغيل اليد العاملة في فرنسا، والمساواة في الخدمة العسكرية بين المجندين الجزائريين والجنود الفرنسيين، والتأكيد على ضرورة تمثيل المسلمين في البرلمان الفرنسي وإلغاء قانون الأهالي، وبالرغم من سعيه إلى بناء أمة جزائرية بمقومات عربية إسلامية ورفض مطالب دعاة الإدماج، شجع الأمير خالد المهاجرين على تأسيس هيئة سياسية تجمع شمل العمال المغاربة.

وتم إنشاء جمعية الإخوة الإسلامية 1925 بهدف عدم الذوبان في المجتمع الأوروبي، وفي أكتوبر من نفس السنة تم تأسيس نجم شمال إفريقيا بعد اجتماع جمعية الأخوة الإسلامية مع بعض المستقلين والشيوعيين، إذ دعى مصالي الحاج ضرورة مقاطعة التجنيد الإجباري، كما أنشأ فرحات عباس الذي تطوع في الجيش الفرنسي خلال الحرب العالمية الثانية حزب سياسى المعروف بالإتحاد الشعبي الجزائري، مما مهد للدخول في النضال السياسي إلى غاية تفجير ثورة التحرير الكبرى.

 

الخاتمة:

هيئت ظروف الحرب التي شهدتها أوروبا المناخ المناسب لنشوء الثورة الأوراسية، وماترتب عليها من تطورات داخلية عرفها المجتمع الأوراسي طيلة تواجد المستعمر الفرنسي، والذي جاء تجسيدا لمشاريع استيطانية بما تضمنه من ممارسة قمعية، والتي كان لها تأثيرا في تفجير انتفاضات متكررة؛ فلم يحرك قانون الغابات، ولا الأهالي ولا المحاكم الرادعة الشعب الجزائري كما فعل قانون التجنيد الإجباري، حيث رفضت أغلبية الدواوير بالأوراس تجنيد أبنائهم وأنهم مستعدين لدفع الضرائب والتخلي عن ما تبقى من أراضيهم مما أدى في نهاية المطاف إلى تفجير الثورة الأوراسية عام 1916.

بالرغم من إخماد الثورة الأوراسية من طرف الإستعمار الفرنسي إلا أن رفض قرار التجنيد الإجباري كان بداية إنبعاث الروح الثورية كالحاصل في أولاد عوف، وفي عين التوتة عام 1926 برفض قرار التجنيد الإجباري مجددا، لذلك مثلت مسألة التجنيد الإجباري محطة هامة في تاريخ الثورة الجزائرية.

لقد شكلت الثورة الأوراسية قاعدة للعمل السياسي، وبداية النضال السياسي بعد الهجرة إلى فرنسا من خلال بالمطالبة بتحسين أوضاع المجندين الجزائريين في فرنسا، وفضح السياسة الإستعمارية القائمة على التميز العنصري بين الأوربيين والجزائريين في الجزائر، وازداد البعد الثوري خلال الحرب العالمية الثانية ببروزنشاطات عسكرية ضد السلطات الفرنسية مهدت الطريق نحو التحريرية الكبرى.

…. يتبع

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى تعطيل مانع الإعلانات.