إسلاميات

جمال السيرة وكمال السنة وجلال المولد النبوي الشريف

قال تعالى: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين﴾ [الجمعة: 2].

عندما يحل الشهر الكريم شهر ربيع الأول يتذكر المسلمون مولد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم فتدمع أعينهم، وتفرح قلوبهم، وتسر أفئدتهم، ويراجعون أنفسهم ويصححون مسارهم، ويجعلون من الذكرى سببا أصيلا لميلاد جديد في ذواتهم، ومن هنا فإن كل مسلم في هذا الشهر العزيز يعيد نفسه إلى نفسه، ويجلس إلى السيرة المباركة يقرؤها ويفهمها ويسقطها على الواقع؛ ليرى جمال السيرة، وكمال السنة، وجلال ما أتى به الرسول الكريم، ولا بأس هنا من أن نقرأ آيات سورة الجمعة التي تبين خصائص الرسالة النبوية، وسمات الدين الإسلامي، والنعمة بإرسال النبي والحكمة من مولده الشريف حيث يقول الله – جل في علاه -: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين﴾ [الجمعة: 2].

في قوله – تعالى -: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم﴾ [الجمعة: 2] تلك جملة اسمية تفيد ثبوت الحكم واستمراره، وأن هذا البعث حاصل، وممتن به على عباده المؤمنين، والأميون هنا كناية عن موصوف هم العرب قاطبة، قال ابن عباس: الأميون العرب كلهم، من كتب منهم ومن لم يكتب؛ لأنهم لم يكونوا أهل كتاب، وقيل: الأميون الذين لا يكتبون، وكذلك كانت قريش.

وروى منصور عن إبراهيم قال: الأمي الذي يقرأ ولا يكتب.

وقوله: ﴿رسولا منهم﴾ [البقرة: 129]؛ يعني: محمدا – صلى الله عليه وسلم – فهو كناية عن موصوف هو رسول الله – صلى الله عليه وسلم – والتنكير هنا في (رسول) لإفادة التعظيم والتبجيل، وأعقبه بقوله: (منهم)، وهو شبه جملة ورد صفة لقوله (رسولا)؛ ولذلك فإنه ما من حي من العرب إلا ولرسول الله – صلى الله عليه وسلم – فيهم قرابة وقد ولدوه، قال ابن إسحاق: إلا حي تغلب، فإن الله – تعالى – طهر نبيه – صلى الله عليه وسلم – منهم لنصرانيتهم، فلم يجعل لهم عليه ولادة.

وكان أميا لم يقرأ من كتاب ولم يتعلم من صحيفة – صلى الله عليه وسلم – وقد ذكر الماوردي في سبب ولادته أميا جملة من الاعتبارات المنطقية، قال: فإن قيل: ما وجه الامتنان في بعثه نبيا أميا؟ فالجواب عنه من ثلاثة أوجه:

أحدها: لموافقته ما تقدمت به بشارة الأنبياء.

والثاني: لمشاكلة حاله لأحوالهم، فيكون أقرب إلى موافقتهم.

والثالث: لينتفي عنه سوء الظن في تعليمه ما دعا إليه من الكتب التي قرأها والحكم التي تلاها، قال: قلت: وهذا كله دليل معجزته وصدق نبوته.

وفي قوله – تعالى -: ﴿يتلو عليهم آياته﴾ [آل عمران: 164]؛ يعني: القرآن، فهو كناية عن موصوف هو القرآن الكريم، والتعبير بالمضارع يفيد الاستمرار، فالتلاوة مستمرة في كل وقت ومكان، وقوله: ﴿عليهم﴾ يفيد أنها في استعلاء وسمو، وأنها محل تقدير، وموضع تقديس؛ حيث ينظر إليها على أنها فوقية ومحل تبجيل، وموضع استجابة وحمد، وهم بمجرد التلاوة يلتزمون بها، ويسمعون لها، ويعملون بمقتضاها، ويحترمونها بكل صور التقديس والمهابة، ويجعلونها في أعينهم، وفي حر أفئدتهم، وهي قيد نواظرهم لا دبر آذانهم.

وقوله: ﴿ويزكيهم﴾ [البقرة: 129]؛ أي: يجعلهم أزكياء القلوب بالإيمان؛ قاله ابن عباس، وقيل: يطهرهم من دنس الكفر، وعطن الذنوب؛ قاله ابن جريج ومقاتل، وقال السدي: يأخذ زكاة أموالهم، فالتزكية بلفظ المضارع تفيد الاستمرار، وتشمل كل ألوان التزكية والطهر، والعفاف والكمال، فهي تزكية معنوية ومادية، وهي لهم جميعا لا لآحادهم.

ثم يعقب ذلك بجملة فعلية تفيد الاستمرار، وتبين طبيعة هذا الدين وخصائص تلك الرسالة الخاتمة، ﴿ويعلمهم الكتاب﴾ [البقرة: 129]؛ يعني: القرآن، فـ(أل) فيها عهدية، وذهنية، وكمالية، وتفيد الغلبة، فقد غلب ﴿الكتاب﴾ في الاستعمال للقرآن الكريم، و﴿الحكمة﴾ كناية عن موصوف هو السنة، فكتب التفاسير تذكر أن معنى الحكمة هو: السنة، فقد ورد أن هذا القول – أي: ﴿الحكمة﴾ بمعنى السنة – قاله الحسن، وقال ابن عباس: الكتاب الخط بالقلم؛ لأن الخط فشا في العرب بالشرع لما أمروا بتقييده بالخط، وقال مالك بن أنس: الحكمة الفقه في الدين.

﴿وإن كانوا من قبل﴾؛ أي: من قبله وقبل أن يرسل إليهم، وهنا إيجاز بالحذف؛ حيث حذف المضاف، ونوى معناه؛ ومن ثم بني لفظ ﴿قبل﴾ على الضم، و﴿إن﴾ هنا مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، والدليل على تخفيفها دخول اللام الفارقة على خبرها، وكذلك دخول الفعل الناسخ ﴿كانوا﴾ على الخبر، ولعل التقدير، وإنهم كانوا قبل ذلك في ضلال مبين.

وقوله: ﴿لفي ضلال مبين﴾ [آل عمران: 164]؛ أي: في ذهاب عن الحق، واللام هنا هي اللام المزحلقة التي تفيد التوكيد، وتثبيت المعنى، وترسيخ المفهوم، وهو أسلوب من أساليب التوكيد باستعمال (إن) المخففة من الثقيلة، وكذلك اللام المزحلقة، ومجيء ﴿في﴾ هنا يفيد الظرفية، ويوحي عندئذ بتغلغل الضلال، وانتشاره حتى النخاع في المجتمع العربي قبل ظهور الإسلام، وإنارته العالمين، وتنكير ﴿ضلال﴾ لتوضيح تعدد أسبابه، وتباين أطيافه، فساد في الاعتقاد، وفساد في السلوك، وفساد في الأخلاق، وفساد في العلاقات الاجتماعية، وفي العبادات، وفساد سياسي، وفساد ثقافي، وفساد اقتصادي، وغيره من ألوان الفساد التي لا تنتهي، ومن هنا ورد اللفظ منكرا ليوضح الشمول والعموم، ثم أعقب ذلك بمجيء اسم الفاعل ﴿مبين﴾ منكرا؛ ليبين كذلك مدى جسارة الضلال، وتربعه في المجتمع العربي، وعلو صوت أصحابه، أولئك الذين أكلوا من ورائه الكثير، وحققوا أرباحا لا توصف من الضحك على الدهماء، وإشاعة الفوضى والفساد.

لأنهم يعلمون أن بقاءهم مرهون بإشاعة الفوضى، واستقرار أسباب الفساد، وتعطل العقل، وخراب الفكر وتعطيل الإبداع والخيال، وانهيار النخب المفكرة، وإشاعة الفقر حتى يظل الناس منساقين وراء أصحاب الأموال الذين يوجهون عقولهم، ويغيرون أفكارهم، فجاء الرسول الكريم ليعدل المسار، ويقوم المعوج، ويقيم المائل، ويرجع للناس حقها في الفهم والحرية وترك عبادة ما سوى الله، وتوحيد الوجهة، ونقاء التوجه، وسلامة السلوك، وطهارة الأخلاق، ونبل المشاعر، وكمال الإنسان.

إن ميلاد الرسول وظهور حقيقة إرساله لما يفتخر به المسلمون، ويعيشون له ويعملون به، ويدافعون عنه، وكلما هل هلال ربيع الأول رفرفت القلوب، وحنت له الأفئدة، ورقت له المشاعر، وذابت معه الأرواح، إنه المولد العظيم، ميلاد الحرية وميلاد العقل والفكر، وميلاد النور والطهر، وميلاد النهضة والتطور، وميلاد الأمل والعمل، وميلاد الحبور والسرور، إنه ميلاد محمد، أطهر الخلق، وحبيب الحق، ورمز الكمال، وشارة الأمان، وعنوان العفاف، وطريق الإيمان، وبر الأمان، صلى الله على الهادي البشير، والسراج المنير، وكل عام وكل مسلم على ظهر هذه البسيطة بخير وسلام، وعافية وأمان، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، ولنبدأ بفهم جديد نولد معه، وتولد فينا الهمم، وتوقظ العزائم، ونتحد ونعمل لخير أمتنا ليسعد بنا العباد، وينصلح حال البلاد ونسعد نبينا باتباعه والعمل بسنته، ونشرها في ربوع الأرض.

د. جمال عبدالعزيز أحمد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق