مواسم البوح

حب أسير ووفاء

قصة

بين فكي السجن وعلى مسافة نهشة من أنياب السجان يقف الأمل يتلوى على جمر الإنتظار؛ ترنو العيون إليه ويقضم الظلم كل أمل على مساحة الدنيا بأيامها ولياليها؛؛؛
عبد الله…على مقربة من ألغام الحياة…
في سنينه المتواترة التي تتآكل خلف القضبان؛ يقبع كنسر غير آبه بسطوة السجان؛ يحارب بأنيابه العزلاء وحشة السجن وظلم انفراديات الإحتلال الإسرائيلي؛ وعلى مساحة وطن موجوع؛ يترك حبيبة أبت إلا أن تكون زوجة لرجل يدعي عدوه تكفين رجولته؛ لتستمر حياتها على أمل لقاء؛ على وجع عذاب؛؛على وهن انتظار…
ويبقى وعد الوفاء قائما على ساعة متأخرة من العمر؛ أأنت الحر ونحن الأسرى؛؛ستشرق شمسنا؛ ويزهر بك قلبي؛ عشرون عاما وأنا أزرع لك الدرب تينا وزيتونا أيها القابع خلف نبضات القلب؛ ستشرق شمسنا قريبا.
إنها السادسة فجرا…وفي خطوة خالفت فيها أهلها الرافضين لتعطيل عجلة حياة إبنتهم.. وانتظار سراب قد يلوح في الأفق وقد لا يلوح أبدا؟
قررت زيارة حبيبها الأسير الذي يكاد شوقها إليه يحيل عظام صدرها حطبا وجمرا..
على إحدى المعابر تم السماح لها قبل فترة بزيارة المعتقل..
حضرت أشياء خفيفة وبعض شعر في جعبتها وقصدت مكان الانطلاق الى سجن(مجدو)
سرحت بناظريها في الأفق؛ والعيون في لهفة؛ والأفكار والمشاعر تختلط وكأنها في مرجل تغلي..كيف سيكون؟ هل ستكون صحته جيدة؟ يا إلهي أيعقل أن يكون معذبا؟ هو عنيد ولا يستكين..
حاولت إزالة فكرة التعذيب الجسدي من رأسها؛ وغيرت مسار تفكيرها؛ عندما ألتقيه سأضمه ولن تفصلنا قضبان السجن.. سأودعه حشاشة قلبي؛ ينقصني في هذا الغياب صوتك؛؛ينقصني الكثير؛؛عتابك؛ ساديتك؛ أو لحفنة دخان تبتلعها من سيجارتك؛؛صوت ولاعتك؛؛عقابك ودموعي؛؛ينقصني حزن حبنا الذي لا أعرف لم كان حزينا؟؛؛لا أعرف لم حكمت عليه أن يرتدي ثياب الحداد؛ ربما تركته يعزي نفسه بنفسه قبل أن تلقي به في مقبرة النسيان؛ ونسيت أن الأموات لا تنسى؟؛ فأصبحت زيارته عادة وصنعت من دموعك قلادة لن ترجع الروح فيه؛؛؛ينقصني حضورك بعد غياب؛ ينقصني أنت؟…لا لا؛ قد لا أفعل..لن ألفت نظر أحد..إبتسمت إبتسامة سعادة ما لبثت أن فارقتها..هل سيخبر أحدهم؛ أهلها الذين يرفضون انتظارها له؛ أنها جاءت وحدها الى المعتقل؟ ماعساني أخبرهم عند عودتي؛..
هيا ترجلوا ها قد وصلنا؛؛صوت قطع سلسلة مخاوفها..دلفت مع مجموعة من أهالي الأسرى؛؛هاهي أم تجر قدميها وتحمل كل ما لذ وطاب لإبنها؛ وذاك مسن أيضا..وعائلات وأبناء؛هي فقط وحيدة تحمل شوقها وخوفها وما قد ينتظرها عند العودة…حان وقت الزيارات بعد ساعات من الإذلال والإنتظار..بدأ السجانون بالطرق بعنف بهروات على القضبان الحديدية والجلبة ملأت المكان وكلمات الشتم تملأ أروقة الزنزانات وقوائم الأسماء بين يدي السجان؛ واقفة تلك الصبية تنتظر.. لا إسم لحبيبها؛ بدأ الصقيع يضرب الأصابع؛ والعيون يسيل دمعها ساخنا..حاولت أن تقترب من أحد أهالي الأسرى؛ وطلبت منه أن يسأل لجنة متابعة أحوال الأسرى عن عبد الله؛ إقترب الرجل من الفتاة؛ عودي يا بنيتي..في الأمس نقل عبد الله الى سجن إنفرادي؛ لا تقنطي؛ لابد أنه يوجع سجانيه؛؛غابت للحظات عن الوعي حملت قصائدها وخيبتها وعادت أدراجها؛ لتصيغ على طول طريق العودة بدموعها وجع حبيبة أضناها الشوق وحرق قلبها الحزن والقلق وتعيد لملمة نفسها على وقع نشيد صدح من الحافلة…
يا ظلام السجن خيم إننا نهوى الظلام
ليس بعد الليل إلا مجد فجر يتسامى
ابتسمت ابتسامة خفيفة..آه يا عبد الله..مازالت حرارة كفيك تحرق أوصالي يوم كنا معا في تظاهرة يوم الأرض؛ تنادي بإطلاق الأسرى وكنا ننشد هذا النشيد؛..
واعلم أنه اذا ما التقينا كما يلتقي عصفور شارد وغيمة..لن أهمس لك بكلمة؛؛ربما أبتسم ابتسامة الناجي من الغرق..ربما أبكي بكاء الفاقد وطن..ربما أصمت صمت الجريح من القهر..ربما أتفاجأ مفاجأة العائد من الموت؛؛؛إذا ما التقينا لقاء الغرباء سأبتلع صوتي ووجعي؛ وانتظاري؛ ولهفتي؛ وألقي عليك السلام؛ وأمسك قلبي جيدا فلا أمان لعينيك؟…لا أمان؟؟؟هناك كان اللقاء..على بوابة الأسير التقينا..وعند بوابات أسرك نبتعد…والتعلم أنني على العهد باقية…
عبد الحق دينار/تبسة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى تعطيل مانع الإعلانات.