العمود

حب الوطن

بقال، ويروج والذمة على القائل والمروج أن أول درس تمهيدي من الأساتذة والمعلمين للتلاميذ بمناسبة الدخول المدرسي أمس كان عن حب الوطن، والصراحة أنني لم ألتق أيا من التلاميذ كي أسأله عن فحوى الدرس وما قيل في حب الوطن، لكنني أستطيع بحكم تجربتي كمواطن جزائري وبحكمي تلميذا سابقا في المدرسة الجزائرية أن أستحضر ذلك الدرس وذلك الكلام عن الوطن وحب الوطن، فلطالما تغنى المعلمون بالوطن ولطالما قيل أن حب الوطن من الإيمان، وبعد الدرس يخرج المعلم لاعنا “الدولة والمسؤولين” مطالبا بالمزيد من المال والامتيازات.

تعلمنا حقا أن حب الوطن من الإيمان فأدركنا أن الدفاع عن الوطن والجهاد في سبيل الوطن لا يختلف عن الدفاع عن الدين والجهاد في سبيل الله، هذا ما فهمته أنا شخصيا على الأقل كشاب استوعبت درس الوطن في التسعينات وعندما كانت الظروف الاجتماعية نفسها بالنسبة لمعظم الشعب الجزائري، أما اليوم وفي 2019 فأرى أنه ليس من الممكن أن يفهم الكثير من التلاميذ معنى الوطن وهناك من يتنقل إلى مدرسته في سيارة فاخرة حاملا محفظة وأدوات مدرسية ذات نوعية رفيعة، وهناك في المقابل من يعيش كل صباح مغامرات فتى الأدغال، يقطع الوديان وتغرق أرجله في الأوحال ويسير لمسافة تتجاوز الكيلومترين كأقل تقدير، ليصل إلى المدرسة ويلتقي مع زميله “المرتاح” ويستمعا معا إلى خطبة المعلم حول حب الوطن.

لست أتشاءم ولست أبالغ، فالسير لمسافة كيلومترين أو أكثر باتت حقيقة مؤلمة في الكثير من مناطق الوطن، باتت حقيقة في “قرى ومداشر الأوراس” وليس المشهد ببعيد إذا ما أرادت السلطات أن تتأكد، فوالي ولاية باتنة مثلا قد أعطى إشارة انطلاق الموسم الدراسي من مدرسة بقلب مدينة باتنة، لكنه لم يتنقل ليرى التمدرس في قرية الحمزة ببلدية وادي الطاقة وقرية مولية وقرية لخواذة ببلدية ثنية العابد وغيرها الكثير من المناطق في ولاية باتنة والجزائر كلها.

أرى أن الوطن كالدين، وهناك عبارة تعجبني حينا يقال” دعني أرى الدين في تصرفاتك ولا تحدثني عنه”، لهذا فالأجدر بالسلطات أن تدعو التلاميذ لرؤية الوطن وحب الوطن في الأعمال، وفي الانجازات وفيما يقدمه الوطن للتلميذ ، والتلميذ لا يمكن أن يعطي إذا لم يعطى، فحين تقوم السلطات بتوفير النقل المدرسية للتلاميذ تكون قد علمتهم أن يدين لهم بالحب والولاء ورد الجميل، وحين تقوم السلطات بتوفير أكل لائق للتلميذ الفقير فإنها تعلمه درسا مفاده أن الوطن مدين له بالخير، وحين تقوم السلطات بتوفير التدفئة للتلاميذ تكون قد علمتهم أن الوطن دافئ وحين تقوم السلطات بمنح التلميذ ما يحتاج في الصغر فإنها تغلق بذلك كل أبواب هجرته في الكبر، وما نحتاجه اليوم بشدة هو أن نوصل أبناءنا إلى قناعة مفادها أن حب الوطن إيمان، أي أنه يجب أن يؤمنوا بالوطن وبحب الوطن كما يؤمنون بحب الوالدين وبحب الله وبحب الرسول، أما إذا اكتفينا بالخطب والأقوال فإن حب الوطن سيكون مجرد وهم ومجرد شعارات جافة.

حمزه لعريبي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق