كتاب مسلسل

حركة 14 ديسمبر 1967 لضباط الجيش الوطني الشعبي

مذكرات الرائد عمار ملاح

القبض على الهاربين FUGITIFS:

اشتد الطوق حولنا واشهروا سلاحهم في وجوهنا حاولنا التخلص من هذا الطوق لكن بدون جدوى، أطلقنا النار في الفضاء لنخيفهم ويبتعدوا عنا ويتركوننا وشأننا لكن بدءوا يطلقون النار علينا ببنادق صيد فأصابونا بجروح نحن الثلاث ثم هجموا علينا والقوا القبض علينا وأمطرونا ضربا مبرحا ضانين دائما أننا مغاربة “أمراركه”، كانت الهراوي تتساقط على أجسامنا إذ كسروا ذراع ألطيف مبروك، جرح أمعمر بشاح في رأسه، أما أنا فأصبت بـ (2) إثنان من الشوفروط في الرجل الأيسر، أشبعونا ضربا وسبا وشتما، مرغونا في الوحل وقيدونا وبقينا مطروحين أرضا حتى التحق بنا رجال الدرك الذين أُخبروا عنا. أخذونا من بين أيد هؤلاء “المجرمين”.
وفي لقاء مقبل مع العقيد بلهوشات قال لنا: “نتأسف عن كل ما جرى لكم، أن هذا الدوار كانوا من القومية”.
في الحين امتطينا سيارة رجال الدرك “لاندروفر” ونحن في حالة يرثى لها واتجهنا إلى مقر قيادة الدرك الوطني بلمدية، وكان يرأس هذه المجموعة النقيب: أغريب.
بدأ التحقيق معنا بدون انقطاع، رجال الأمن العسكري، رجال الدرك، الشرطة، كلهم جاءوا بقوة للتحقيق في هذا الفرار، والغرابة في ذلك أنهم يضنون أنه مدبر من “الخارج” وأن لنا اتصالات مع “الخارج” وكثير من الأمور والتساؤلات قيلت لنا في هذه التحقيقات، وتشاء الصدف أن يكون أبي موجود في فرنسا عند الأهل هناك فقال لي أحد القائمين بالبحث: “إنك بعثت أباك ليتصل با”الخارج” وهذا شيء لا أساس له من الصحة. وعند سماع أبي بهذا الفرار استقر هناك عند الأهل ما يزيد عن شهر حتى لا يعود فيلقى عليه القبض ويعذب ويرمى في السجن وهو شيخ لا يستطيع تحمل مثل هذه الانتهاكات. وما أصعب ما يقوم به الجزائري نحو أخيه في الظروف الحالكة.
يوم 28 و29 أكتوبر 1978 بدأ وكيل الجمهورية لمحكمة المدية في الإجراءات لمحاكمتنا عن هذا الفرار من السجن بتهمة: “الفرار من السجن، ضرب وجرح متعمد، امتلاك السلاح..” لكن توقفت من بعد هذه الإجراءات القضائية ولم نحاكم، وهذا بعد مجيء العقيد عبد الله بلهوشات.
أثناء التحقيق عن هذا الفرار قال لي أحد الضباط: “ماذا تكسب”؟ قلت له: “لا شيء وزيد على هذا أن مصالح الأمن حققت في هذه القضية وتأكدوا من كل شيء وجمدوا ما كان عندي في الحساب الجاري CCP” فكان جوابه: يقال عنك أنك تكسب نصف باتنة (يقصد بذلك أن نصف مدينة باتنة ملكا لي). يالها من سخافة… قلت له: “حيث أنهم يقولون نصف باتنة ملكا لي فإنني على استعداد أن أسلم هذا النصف إلى هؤلاء ليصبح ملكا لهم…”.
وكنا نحن الثلاثة مجروحين، وبدأوا في معالجتنا وخصص لنا أحد الأطباء من الخدمة الوطنية هو الحكيم عزوزي من باب الواد (الجزائر العاصمة).
لقد تألم كثيرا لحالتنا وتأثر بقوة لما آلت إليه وضعيتنا، وشعرنا بالإطمئنان مع هذا الطبيب الإنساني ذو القلب العطوف، ومع الاتصالات المتكررة لمعالجتنا فتحنا قلوبنا له فاطلع بكل صغيرة وكبيرة عن قضيتنا، وتناولنا الحديث معه في خصوص الأوضاع الخارجية، وقد أخبرنا لأول مرة عن الرئيس بومدين بأنه موجود في الخارج بالاتحاد السوفياتي يعالج من مرض السرطان وأنه يخضع إلى العلاج بالكوبالط فتأكدنا أن الرئيس بومدين في حالة خطيرة.

اللقاء مع العقيد بلهوشات:
ولم تمضي إلا أيام حتى جاء لزيارتنا العقيد عبد الله بلهوشات أي يوم 31 أكتوبر 1978 وحمل لنا سجائر وأدوات الحلاقة، ومناشف كنا في أشد الحاجة لها، لأنه بعد فرارنا أصبحنا لا نملك أي شيء، تبادلنا الحديث مع العقيد واستفسر عن صحتنا وأمرهم أن يأتونا بالأكل من المطبخ من خارج الثكنة، لقد خفف عنا ما نعانيه وأثناء الحديث قال لي: “أن الرئيس كان قد قرر إطلاق سراحكم في هذه المناسبة القادمة ولماذا قمتم بهذا الفرار؟”
لكن في نظري أنا أن هذا الشيء غير ممكن لأن الرئيس بومدين ينفرد بقراراته دون مشاركة الآخرين وخاصة في قضايا كقضيتنا نحن، أشك في ذلك وكان جوابي للعقيد “أننا انتظرنا طيلة (11) سنة ولا شئ في الأفق، كذلك أن أولادنا عاشوا طوال هذه المدة في حالة يرثى لها، تُركوا محرومين من كل حقوق المعاش، إننا رحمنا أبناء “القومية” بعد الاستقلال لأنهم لا ذنب لهم فيما ارتكب والديهم من أعمال شنيعة، والدولة لم ترحم أولادنا الصغار الأبرياء ونحن في هذه الظروف القاسية الصعبة. وكان قرار مساعدة أبناء “القومية” قد صدر من وزير الدفاع ونائب الرئيس العقيد بومدين هذا سنة 1964-1965.
دام الحديث بيننا قرابة الساعة شعرنا بالراحة والاطمئنان، وعند ختام لقائنا قال لي: “عندكم لا تزيدوا تهربوا”. طمأناه لذلك وكنا صادقين في أقوالنا.
وتأكدنا بأن إطلاق سراحنا بات أمر قريب ولن تكون لنا أية محاكمة عن هذا الفرار الذي قمنا به وما ترتب عنه.
من ناحبة أخرى كلمني العقيد بلهوشات عن بورزان محمد الطاهر وقال لي لابد أن يرجع ويلتحق بنا. وهنا شعرت بأنهم يعتبرونه عنصرا خطيرا على الدولة وعلى بعض الأشخاص، ولهذا سيعملون كل ما في وسعهم حتى لا يقع أي شيء منه.
غادرنا العقيد بلهوشات باعثا في نفوسنا الأمل بأن كل الأمور تسير في طريق الحل، وبقينا في ثكنة الدرك الوطني تحت حراسة دركي يحمل رشاشة، وكان ينام معنا وقد تحسنت ظروفنا من جميع الجوانب.
جاء العيد فدعانا النقيب غريب إلى منزله فتناولنا الشاي، والقهوة، والمرطبات وهذه أول مرة نشاهد التلفزة الملونة، كنا في السجن في عالم المحرومين من كل شيء، وكانت الجزائر في عالم آخر، عشنا القرون الوسطى بين جدران السجن، نجهل كل تقدم، ذقنا مرارة العيش نحن وأهالينا.
إننا في جزائر مستقلة ذات سيادة، وكنت إطار سامي في الدولة وفي الجيش الوطني الشعبي، لكن لم أتصور يوما أنه توجد هذه الأمور في السجون الجزائرية من غبن وحقرة وظلم وإهانة وقساوة وشدة، خاصة السجون العسكرية، وما جرى لنا في سجن “سيدي الهواري” العسكري بوهران لأكبر دليل على ذلك، والسجين به أرخص مخلوق وليس له الحق في أي شيء مهما كان.
مرت أربع شهور ونحن في ثكنة الدرك الوطني بالمدية، ومن حين لآخر يتفضل أحد ضباط الصف بتقديم لنا المأكولات من داره، وأصبحت الثقة متبادلة بيننا وشعرنا أننا نعيش في جو “عائلي”.
وفي 27 ديسمبر 1978 نزل خبر وفاة الرئيس بومدين كالصاعقة على الجميع فأخرجونا إلى ساحة الثكنة وشاركنا مع الدرك في الوقوف “دقيقة صمت”، وهذا بأمر منهم.
وتمر الأيام متشابهة ولا شيء جديد يذكر لنا ولأهالينا، وذات يوم اتصل بنا الملازم غشام (من قيادة الدرك الوطني بالبليدة) في محاولة لإرجاع محمد الطاهر بورزان إلينا لأنهم تأكدوا بأنه التحق هناك بجبال الأوراس، وتفاهمت معهم على كتابة رسالة له وطمأنته من خلالها على حالتنا وأكدت له بأنه سيطلق سراحنا عن قريب، وطلبت منه أن يلتحق بنا إلى المدية، وما هي إلا أسابيع حتى كان بيننا، وأصبحنا أربعة ننتظر إطلاق سراحنا بصفة نهائية.

قرار العفو للرئيس الشاذلي بـن جديـد:
كان قرار العفو يوم 16 أفريل 1979 بأمر من الرئيس الشاذلي بن جديد الذي تولى تسيير الدولة بعد وفاة الرئيس بومدين، وفي 17 افريل 1979 حملونا في سيارة عسكرية للدرك الوطني واتجهنا إلى البليدة بمركز قيادة الناحية العسكرية الأولى، وهناك التقينا مرة أخرى العقيد بلهوشات.
تناولنا وجبة الغذاء في ثكنة عسكرية وسلم لنا مصروف عبارة عن (400) أربعمائة ألف سنتيم لكل فرد منا. وألحقوا بنا قاره أمعمر والعياشي حواسنيه اللذان كانا بسجن الأصنام منذ سنوات.
قبل خروجنا من ثكنة الدرك بالمدية اتصل بنا جماعة المدية من المجاهدين وهما: الزوبير ويوسف وسلموا لنا اللباس وكذلك مصروفا حـوالي خمسمائـة (500) ألف ولا أنسى أيضا مصطفى.
فسألتهما عما وقع لهما من ضغط وبحث من رجال الأمن وتحقيق أثناء فرارنا من السجن لأنهما كانا يأتيان لزيارتنا في السجن، وفي الحقيقة أنهما أبرياء وليس لهما أي ضلع في عملية الفرار.
في هذا اليوم أطلق سراح (11) أحدى عشرة سجينا في قضية حركة 14 ديسمبر 1967 وعملية أفريل 1968.
ـ أربعة (4) أشخاص من سجن البرواقية.
ـ شخصان (2) من سجن الأصنام (الشلف حاليا).
ـ خمسة (5) أشخاص من سجن تازولت.
وكنا نحن الإحدى عشرة سجينا أخذ السجن من عمرنا (11) سنة بدون شفقة ولا رحمة ولا إنسانية وهذا كله حدث تحت حكم الرئيس هواري بومدين.
وهؤلاء الذين أطلق سراحهم الذين كتب لهم عمرا جديدا بعد أن يئسوا من رؤية الحرية والتمتع تحت سمائها هم:
ـ عمار مـلاح.
ـ محمد الطاهر بورزان.
ـ أمعمر قـاره.
ـ العياشي حواسنيـه.
ـ ألطيف مـبروك.
ـ أمعمر بشـاح.
ـ عبد الحفيظ أحمان.
ـ بلقاسم ملاخسـو.
ـ مبارك بتـيره.
ـ مبارك شينـه.
ـ مبارك عقاقنـه.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق