إسلاميات

حصائد الألسن..بين وعد الله عزوجل ووعيده

قال الله تعالى: }قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ { سورة الأعراف الآية 33

من الناس من اعتاد النطق بالكلمات النابية والألفاظ الساقطة، ولا يستحيي أن يجهر بها بين الناس؛ لأن لسانه قد تعودها، وطبعه قد أشربها، فهو يتشدّق بها طول نهاره، ويفتخر بها بين أقرانه.. كلامه قبيح ومنطقه خبيث، وصف للعورات، وتتبع للزلات، وقذف وسب واستهزاء… لا يستحيي من خالقه الذي يسمعه، ولا يستحيي من رجل ولا امرأة، ولا يعرف وقارا لصغير ولا كبير..

ومن الناس من إذا كانت بينه وبين أخيه المسلم منازعة أو مشادّة، يُطلِق لسانه عليه بالسب والشتم والتعيير والتنقيص، ويَقذفه ويَرميه بما ليس فيه من المعايب والقبائح.
فقال سبحانه: ((قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ )) [الأعراف: 33].
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنّة، والبذاء من الجفاء، والجفاء في النّار».
وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم في وصيته له، أخذ بلسانه وقال: «كفّ عليك هذا»، فقال مُعاذ: يا نبيّ الله، وإنا لمؤاخَذون بما نتكلم به؟ فقال: «ثكِلتك أمك يا معاذ، وهل يَكبّ الناسَ في النار على وجوههم – أو على مناخرهم – إلا حصائدُ ألسنتهم». أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، والمراد بحصائد الألسنة جزاءُ الكلام المحرّم وعقوباته، فإن الإنسان يزرع بقوله وعمله الحسنات والسيئات ثم يَحصُد يوم القيامة ما زرع، فمن زرع خيرا من قول أو عمل حصد الكرامة، ومن زرع شرا من قول أو عمل حصد الندامة.
وقال الله عز وجل: (( لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا ))[النساء: 148] قال البغوي رحمه الله: يعني: لا يُحبّ الله الجهر بالقبح من القول إلا من ظلم، فيجوز للمظلوم أن يُخبر عن ظلم الظالم وأن يدعو عليه، قال الله تعالى: (( وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ ))[الشورى: 41].
فأين أثر الصلاة والصيام والزكاة والحج في سلوك العبد وأقواله وأفعاله فقد شرع الله تعالى لعباده من الطاعات والقربات ما تزكو به نفوسهم وتتطهر به قلوبهم وتسلم به جوارحهم من كل سوء ورذيلة، ومن لم يجد لعبادته أثرا في أقواله وأفعاله فليراجع عبادته فقد قال الله تعالى عن الصلاة: ((إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ )) [العنكبوت: 45]. وقال عز وجل عن الزكاة: (( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا )) [التوبة: 103]. وقال عن الحج: (( فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ )) [البقرة: 197].
ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة في طِيب كلامه وحُسن مَقاله وبُعده عن كل فحش ورذيلة، فعن أبي عبد الله الجدلي قال: سألت عائشة رضي الله عنها عن خُلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: «لم يكن فاحِشا ولا متفحّشا، ولا صَخابا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح» أي لم يكن ناطقا بالكلام السيء الفاحش، ولم يكن متكلفا للنطق بالكلام الفاحش السيء، فليس الفحش من أخلاقه ولا من طبعه صلى الله عليه وسلم.

علاج الفحش والبذاءة

فما السبيل إلى تطهير الألسن من الكلام القبيح الفاحش البذيء؟ هل من علاج لهذا الداء الذي تعاني منه الأسر والأفراد والمجتمعات؟.
أولا: الحياء من الله ومن عباد الله؛ فالحياء يمنع صاحبه من الفحش والبذاءة، ويحمله على لزوم الطيّب من القول، والصالح من الأعمال، فإذا تخلق الناس بالحياء استقامت أحوالهم، وحسنت أخلاقهم، وصلحت أعمالهم وأقوالهم، وإذا غاب الحياء عن الناس ظهر الفحش وعمّت الرذيلة، فساءت أحوال الناس وأعمالهم وأقوالهم.
وعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «إنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى: إذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْت». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ثانيا: الخوف من الله تعالى؛ فالذي يخاف الله تعالى لا يتكلم بكلام يكون سببا في غضب الله وسخطه عليه، ولا يتكلم بكلام يُورده المهالك.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ العبدَ ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، لا يلقي لها بالا، يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يلقي لها بالا، يهوي بها في جهنم».
ثالثا: ذكرُ الله تعالى؛ فمن شغل لسانه بذكر الله، يصبح عليه ويمسي عليه، ويلهج به في كل وقت وحين، اطمأنّ قلبه، وطابت أقواله، وحسنت أعماله، ووجد في ذلك ما يؤنسه ويغنيه عن الكلام البذيء.
فعن عبد الله بن بُسْر رضي الله عنه أن رجلا قال: يا رسول الله؛ إنّ شرائع الإسلام قد كثُرَتْ عليّ، فأخبرني بشيء أتشبّث به، قال: «لا يزال لسانك رَطبا من ذِكر الله».
وكثرة الكلام توقع في الزلل والخطأ، ومَن كثرَ كلامُه كثرَ سقطه، فقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت» متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

أحمد عماري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق