مواسم البوح

حَجْرٌ يَسرَحُ فِيه القَلَم

همسة

أغلب النّاس تبرّموا بهذا الحجر وضاقوا به ذرعا، حتى أنّ بعض الشباب يعملون على كسره بتهوّر غير محمود، ولا مستحبّ، ولكنّه بالنّسبة للمبدعين والكُتاب فرصة ذهبيّة لا تتاح دائما في العمر، فامتَشَقوا أقلامَهم من جديد، وأعدّوا أوراقهم أو حواسيبهم، لبعث ما كاد يصبح منسيّا في حكم التاريخ من إبداع.

كلّ من كانت عنده رواية لم تكتمل أو قصّة وقفت في عقدتها ولم تجد لها فكاكا، أو حبكة تاهت في دروب الزمن وحاصرتها الأوقات الضّيقة للمبدع، فلم يجد فرصة لصفاء الذّهن، والخلوة المفيدة؛ ها هو الآن يحبّر ما كاد يطمسه الغبار، وتمحوه السنون، وكلّ قصيدة ضاعت قافيتها ومرّ عليها الحول والحولان، وما أشبهت حوليّات ابن أبي سلمى، هي الآن تنهض من مرقدها وتتقد في أبياتها الصّور والأخيلة.

وهناك من كانت الكتابة حُلُما منسيّا اضطرته الأيّام وتزاحم الأشغال إلى أن يركنه في درج الذاكرة الميتة، فإذا به يستيقظ من رماده ويقول مثل هامة العرب في أسطورتهم القديمة:

  • اسقوني.. !

المبدع يَهْتَبِل أيَّ فرصة لتفجير مخزون طاقته، وإفراغ شحنات الإبداع التي كانت تتململ بين جوانحه، ولا يطلب أكثر من خلوة في البيت، وسكينة تحفّ المكان من حوله؛ لكي يمضي قلمه مغوارا في الميدان الذي يتقنه، وأنا على يقين أننا عندما نخرج من هذه المحنة والبلاء العظيم، سنخرج بمنح كثيرة في الإبداع الأدبي، بل إنّ بعض المبدعين شرع في كتابة (يوميّات كورونا)، أو (يوميّات الحجر الصّحي)، وهذه لعمري مِنحةُ ما بعد المحنة.

وستظهر آثار ذلك بعد حين، وكما كتب أبو تمّام أعظم قصائده بعد معركة فتح عمّورية الشهيرة والتي قال فيها:

السّيف أصدق إنباء من الكتب* * في حدّه الحدّ بين الجدّ واللّعب

وكتب شوقي رائعته في نكبة دمشق والتي مطلعها:

سَلامٌ مِن صَبا بَرَدى أَرَقُّ… وَدَمعٌ لا يُكَفكَفُ يا دِمَشقُ.

فكذلك سيكتب التاريخ الأدبي أنّ هناك وباءً أصاب العالم بداية عام 2020، وكان سببا في ظهور أدب متميز شعرا ونثرا، يعبّر عن مشاعر المبدعين أثناء فترة الحجر الصّحي وبعدها بسنين.

 

عبد الله لالي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق